ذَوُو الأرواحِ في عالمٍ مادي

وصولًا إلى هنا قد لا يُخالجك الشك بأنك آلة، بأنني آلة، بأن كلُ البشر آلات، آلات مُحكمةُ الصنع لكلِ جزءٍ منها وظيفةٌ معينة تؤديها بحرفية..



لطالما آمن الانسان على مر العصور بكونه مميزًا، فريدًا عن باقي المخلوقات من حوله، وجدانيون في خضام الكون المادي. فالكونُ حولنا ذو طبيعةٍ فيزيائية، تراكماتُ موادٍ مُختلفة، وتفاعلاتٍ متنوعة، ولكننا – البشر – ذوو الأرواح.

ذلك النوع من التمييز الذي اختار بني البشر يُرضي كثيرًا من غرورنا الانساني، والعلمي كذلك، كونُ الشيء ماديًا، كونه فيزيائيًا، فهذا يعني بطبيعة الحال أنه يتبع قوانينَ معينةً، ما نُطلق عليها قوانين الطبيعة، هذه القوانين تحصره تحت بندِ المتوقع، القابلِ للدراسةِ، والتحكم! ولكن الغطرسة الانسانية، وهي صفة متوارثة عبر الحضارات، ترفضُ هذه الفكرة التي تضع قيودًا على أجنحةِ البشرية، فالتصرفاتُ الانسانية لا تقبعُ في شقٍ واحدٍ، ولا تنهجُ منهجًا متشابه، إنها قائمة على ( الفرقعة )، فلكلِ شخصيةٍ بصمتها الخاصة، وفرقعتها الذاتية.

لذا الشعلة التي اضرمت حريقًا لانتشار علومٍ كعلم النفس هي تغيير هذه الرؤية النمطية لـ فردية الانسان، لكونه مميزًا، مختلفًا، كلا، نحن أيضًا مجردُ مادة!

رينيه ديكارت (1956-1650) – المُلقب بأبو الفلسفة الحديثة – التي تعتمد فلسفته على مبدأ الشك، فالشكُ هو الطريقُ إلى اليقين، بدأ الأمرُ عن طريق تمثالٍ يتحركُ بالطاقة الهيدروليكية في معرضٍ للفنون بفرنسا، وحيثُ كان العلم يشقُ طريقه للعامة، بدا ذلك له وكأن للتمثالِ نية، نيةٌ للحركة ولو لـ سم مربع فقط، الحركةُ بمفهومها الغير علمي – وخاصةً بذاك العصر – هي فعلٌ مكتملُ الإرادة لا يخصُ إلا ذوي الحياة، وليس مجرد ظاهرةً فيزيائية كما ندركها اليوم. هذا ما دفع ديكارت للشكِ في كمال روحانية الانسان، وانتقل إلى الاعتقاد بآليته أيضًا، كونه آلة ماهرة الصُنع، تُقاد بواسطة الـمحسوس الـ ( غير مرئي ) والذي يفرض سيطرته على أجزاء هذه الآلة، ألا وهو الفِكر، الروح.

ديكارت أولُ من آمن بازدواجية الانسان، كونه روحًا، عقلًا مفكرًا، يسكنُ آلةً بالغةَ الدقة ألا وهي الجسد، تُعرف هذه الازدواجية الآن بـ (الازدواجية الديكارتية).

ودون الغوص في كثيرٍ من تفاصيلها، فهذه الفكرة هي ما شغل بال جون لوكـ الفيلسوف الانجليزي (1632- 1704)، والذي اعتقد أنه بما أن الجسد البشري آلة لها قواعد وقوانين، إذا فلماذا لا يكون الدماغ البشري جزءٌ من هذه الآلة؟! جزءٌ يخضع لقوانين الطبيعة، وبالتالي قابلٌ للدراسة.

هذه الفكرة العابثة التي أطلقها لوك، وصاغها جيمس ميل الفيلسوف الاسكتلندي (1773-1863) تحت مُصطلح ( المادية ) وهي أننا – البشر – مجردُ مادة في وسطٍ مادي، ففي اعتقاده أنه لا وجود لـ ( الروح ) في أيِ مكان، ولهذا فإن كل تصرفاتنا البشرية، علاقاتنا، وتداخلاتنا كلها عبارة عن مادة خاضعة لقوانين الطبيعة، قابلة للدراسة، التطويع، والتحكم!

ما هذا إلا تسلسلًا فكريًا، فلسفيًا لمراحل تغيُر نظرة الانسان إلى نفسه، ولكن الفلسفةُ تظل مجردُ أفكار، ويبقى السؤال، كيف نتأكد من صحة هذه الأفكار؟!

حسنًا، تُجيبُ الفلسفةُ نفسها على هذا السؤال بـ ( التجريب )، وهي اتباع المنهج العلمي القائم على التجارب المرئية للتفريق بين ما هو خاطئ، وما هو صحيح.

واعتمادًا على هذا المبدأ نستعرض تجربتين علميتين في هذا الشأن: آليةُ كلًا من الجسد والدماغ البشري.

الأولى للطبيب الايطالي لويجي جالفاني (1737-1798)، والذي تراقصت لأجله أرجل الضفادع!

استخدم جالفاني في تجاربه أرجلُ ضفادعَ ميتة، وبالاعتقاد السائد بهذا الوقت فإن الميتَ لا يقدرُ على أداء وظيفة الحي، ولكن جالفاني قام بتطبيق تيارًا كهربائيًا على أرجل الضفدع، عضلات الأرجل تحديدًا، فانقبضت، وعند نزعها انبسطت، وبتكرار التجربة بدت أرجل الضفدع وكأنها تتراقص.

وبالاسقاط، لم يُثبت ذلك فقط آلية الجسد البشري، بل اكتشاف صريح لظاهرة وجود الكهرباء في الجهاز العضلي والعصبي، والذي يُدّرس لليوم.

ثاني التجارب ذات الأثر الواسع في هذا الموضوع، هي تجربة بول بروكا الجراح الفرنسي (1824-1880) والذي عكف على دراسة الحبسة الكلامية (اضطراب في اللغة)، لقد كان بروكا جراحًا صبورًا، فقد قام برعاية مرضاه المُصابة بالحبسة صحيًا في اتفاقٍ بينهم للحصول على أدمغتهم بعد الوفاة، وبالفعل حدث ذلك، وعند دراسته لهذه الأدمغة، لاحظ تلفًا في منطقة واحدة في فص الدماغ الأيسر لجميع المرضى، أُطلق على هذا الجزء من الدماغ (منطقة بروكا)، ومن الواضح الآن أنها هي المسئولة عن اللغة.

تتناول الأبحاث حتى يومنا هذا ضمنيًا آلية الدماغ البشري، حيثُ يُقسم الدماغ البشري إلى مناطق، وكل منطقة مسئولة عن وظيفة خاصة بها.

وصولًا إلى هنا قد لا يُخالجك الشك بأنك آلة، بأنني آلة، بأن كلُ البشر آلات، آلات مُحكمةُ الصنع لكلِ جزءٍ منها وظيفةٌ معينة تؤديها بحرفية، وبالطبع لا يخلو الأمر من التفاعل مع باقي الأجزاء.

ولكن..

للآن، لم يتوصل العلم إلى تفسير هذا الصوت (اللا مسموع) بداخل رأسك الذي تقرأ به الآن، لم يتوصل لتفسير هذه الرؤى المُكونة من الصور، الألوان، وتدفقات الذكريات المختلفة التي تدبُّ بداخلك متى أردت استرجاعها، وتخلق موجةً من الأحاسيس داخل جسدك، السعادة، الغضب، النشوة!

الوعي.. الذي تحدد به مكانك، زمانك، ذاتك، الذي تُعالج به أفكارك، تحدد اختياراتك، وعن طريقه تتخذ قراراتك. عُرِّف الوعي بأنه أكثر الظواهر غموضًا في الكون، إنه ما يصنعك، ما يُميزك حقًا، فمن أنت إن لم تكن واعٍ؟ وعيُك هو الوجه الآخر لوجودك، بغيابه أنت ميت!

بكفاءة تامة استطاعت علوم النفس أن تدرس سلوكك، واستطاعت علوم الأعصاب أن تدرس دماغك، ورغم كل المحاولات، والنظريات التي تعمل جاهدة لتفسير ظاهرة الوعي الانساني، إلا أنه يظلُ لغزًا مُحيرًا للعلم، وكأنّ شيئًا يدبُّ في أقطار الجسد، يبزغ منه الوعي، ويتطور تدريجيًا كشروق الشمس، ثم يتخافت الضوء شيئًا فشيئًا، ويكتمل اختفاؤه معلنًا الغروب، أو إنها الروحُ مثلًا؟!