” الحَقــــيبةُ والــذِكـــرى “

لعلَّ كثيرَ الذكريات لا حاجة لأن نُدافِع باستماتة عن بقائها. ربما لن يحتمل تأثيرها مُدة دِفاعِنا هذه. ربما تتركنا هي قبل أن نُنَحّيها نَحنُ!



علمتني الأيامُ ألا أبذُلَ جُهدًا في استبقاءِ ذِكرَياتي الصُغرى، أو بالأحرى ذِكرياتي غيرَ الكبيرة حَدَّ التأثير في كل شيء. لا أَحزنُ عندما تُفسِد شقيقتي الصُغرَى شَريطَة يدٍ قصيرة وُزعت علينا في إِحدى الحَفلات. أبتسمُ للفكرة وأقرر النَّظرَ لما وراءها. كنتُ قد قرأت في مَكتوبٍ لصديقٍ لي: أنّ حقيبةَ سفره تَصغُر في كل عَامْ، تَصغُر الأشياء التي يَحزنُ لفُقدَانِها. ألِفتُ الجملة. أكترثُ كثيرًا لأمرِ الحقائب، وربما امتلأت حَقائِبي دائمًا بما لن ينفعني مستقبلًا وما لن يُسبِّب تخليفه حتى مُشكلةً بَسيطة. أصطَحبُ حَقائِبَ كبيرة جدًا ومُكدّسة لسفرِ ليلةٍ واحدة. لعل في استطاعتي إيجاد دَوافِعَ عدة وراءَ سُلوكي هذا، حيثُ أنني أمقتُ بشدّة شعورَ احتياجي لشيءٍ كنتُ أستطيع تَضمِينَه الحَقيبة. على الرُغمِ من هذا، وبشكلٍ أدعى للاستغراب أنسى دائمًا شيئًا لم يكن بالحُسبانْ. يجرحُ الأمرَ تطلُّعاتي العُظمى للكمالِ ونزوة البصيرة وحُسنِ التصرف. لكن أُقررُ التسليمَ لحقيقةِ أني سأغدو ناقصًا على كُلِّ حال. وربما في سفرٍ مُقاربٍ، أختزلُ كل ما في حقيبتي الأولى إلى سماعةِ أُذنٍ صَغيرةٍ وكتاب. هكذا الحالُ إذن. لعلَّ كثيرَ الذكريات لا حاجة لأن نُدافِع باستماتة عن بقائها. ربما لن يحتمل تأثيرها مُدة دِفاعِنا هذه. ربما تتركنا هي قبل أن نُنَحّيها نَحنُ. بِخلافِ بعضها، الذي نودعه الخزانة، ولا نستدعيه إلا بحساب، خوفًا عليه من الانتقاص أو من أن يتأثر بعاملٍ يُذهِبُ بعض نُوره أو يُفقِده استثنائيته وحَصريته. أمسكوا على ما في الخِزانةِ؛ فإنه زادٌ ومعين. ولا بَأسَ بالعَاديّات؛ فكلٌّ يَذهبُ ويجيء.