بعد مُنتصفِ الليل

كلٌ منّا يمرُ بهذا الوقت قبل أن نغطَّ بنومٍ عميقٍ، نتذكرُ ونَحنُّ، نُسافرُ إلى تلك الجُزر التي نتمنى زيارتها، وننجحُ في تلك الصراعات التي لطالما أنهكنا التراجعُ عنها



يومٌ عصيبٌ من العملِ والدراسةِ يمرُ أخيرًا، وها قد جاءت اللحظةُ التي لطالما أنتظرها؛ خُلوتي الدسمةُ بالأفكارِ والخيالِ الخِصب الذي يهوى في جزعٍ بخضّم الصراعات اليومية، للتّكتُم على وجود هذا الخيال المُجدد الثائر على نفسه قبل انتفاضته، ورفضهِ للعديد والعديد ممّن حوله.

هذا التجديدُ الذي يُرفَض من قِبل هؤلاء ذوي العقولِ الناضجةِ تلك التي تعدّت سنَ الرشدِ، وشارفت على اليأسِ منه، ربما يُسمى بـ (سن اليأس) لفقدان الشخص قدرته على إدراكِ وجود فكر آخر لشخصٍ ما قليل التجربة والخبرة واحيانًا أخرى نُتَّهم بعديمي الرؤيةِ والمنفعةِ (مش فالحين في حاجة).

كلٌ منّا يمرُ بهذا الوقت قبل أن نغطَّ بنومٍ عميقٍ، نتذكرُ ونَحنُّ، نُسافرُ إلى تلك الجُزر التي نتمنى زيارتها، وننجحُ في تلك الصراعات التي لطالما أنهكنا التراجعُ عنها، نستنكرُ ضعفنا في هذا المشهدِ العجيبِ الذي ذكّرنا بكمِّ الانسحابات، تلك التي حدثت ومازالت تحدث، تمرُ من أمامنا بسلامٍ آمنةٍ بدونِ أن نتدارك هَوْل مرورِ الوقتِ، والعمرِ الذي يُسحَب كبكرةِ خيطٍ شارفت على نهايتها، ونحن في مُنتصفها لا نعلم أين نحن الآن.

ثمَّ تتذكرُ مجدك السابق، فقد كنت الأمهرَ في كرةِ القدم، لكنّ والدك أراد أن تمتهن طب الأسنان، وكنت ذاك الشابَ المتفوقَ المثابرَ على هذا النظامِ التعليمي المتواضعِ جدًا، وعندما يأخذُ منك الغرورُ موضعه نظرًا لتفوقك الذي يتحدثُ عنه الجميع، تتذكرُ أنك الأنجحَ في النظام التعليمي، والفكري الأسوأ، حسنًا، فلا داعي للفخر، ولكن يكفيك شرفُ المحاولة، ولكن هل هذا حقًا كافٍ؟

وخفضت جناحَ العزةِ قليلًا بأفكارك، إلى تلك الفتاةِ الجميلةِ عقلًا وقلبًا، وبالطبع هيئةً وشكلًا، تذكرت كسرَ قلبك عندما هربت بعيدًا عن ذاك المجنونِ المتفائلِ الذي يرى العالمَ باللونِ الوردي، أحسَّ أنه يقدرُ على خلقِ الحُلمِ وتنفيذه، قادرٌ على سردِ حكايا الأملِ من تجاربه التي خطط لتنفيذها بالفعلِ، فآهٍ، وآهٍ.. فها هو الآن جالسٌ في مشفى الجامعةِ يأملُ ألا يُصاب بفيروسِ التطبعِ والرضا المُقنّن بظروفِ دولته إلى جانبِ فيروس سي.

دعنا من الحذلقةِ، والفلسفةِ الفارغةِ الآن، إنها الساعةُ الواحدةُ بعد منتصفِ الليل، وها قد ضاعت نصفُ ساعات نومي بسبب هذه الأفكار الساذجة، والحنين العجيب إلى ماضٍ مؤلمٍ ملئٍ بالنِكاتِ الجادةِ التي تجعلني أبتسم من الهمِّ، ولتُصبحوا على خيرٍ.