بلا مأوى

أحمد ـ أحدُ أطفال شارع طه حسين، بائع مناديلٍ لا يتعدى عمره عشرة أعوامٍ كان يتمنى لو أنّ لدى والده المالَ الكافي ليُلحقه بالمدرسة



كوباءٍ تفشى في المجتمع، هكذا انتشرت ظاهرةُ أطفالِ الشوارع، وفي ظلِ غياب الرقابةِ الاجتماعية ضاع حقُ بعض الأطفالِ في الرعاية والتعليم، وأصبح الشارع مأوى لهم. هكذا هو مجتمعنا ملئ بالأطفالِ البائسةِ في الشوارع، أو بمعنى أدق جعلت من وجودها في الشارع مصدرَ رزقٍ لها. هل هذا هو مجتمعنا حقًا؟ أناسٌ تملكُ في حساباتها البنكية ما يملأ مبنًا سكنيا، وأناسٌ لا تملك مصدرًا للعيش، وأناسٌ تشبّهت بالفقراء، واتخذت من ذلك سبيلًا للرزق. مجتمعٌ ملئٌ بالفروقِ بين الطبقات، الغنيُ فيه لا يعطف على الفقير، والفقيرُ يحسد الغنيَ على ماله، وبعضٌ منهم لو امتلك الفرصةَ لسَلب كل ماله! إلا ما رحم ربي.
كل هذا يدور في رأسي أثناء سيري في طه حسين ـ أحد شوارع المنيا ـ  الذي يُوضِّح حقًا الفرق بين فئات المجتمع المصري. طفلٌ يحمل في يديه كيسًا صغيرًا به القليل من المناديل، ويتخذها مصدرًا للرزق والتسول والبيع بطريقة (تطفيش الزبون)، وآخرٌ يحمل على ظهره كيسًا يجمع فيه النفايات ومخلفات البلاستيك ولا يكتفى بهذا، بل يمد يديه لطلبِ مالٍ ليس من حقِّه بحجّةِ الطعام، وإذا أعطيته الطعام رفض أخذه ـ  فإشباعُ بطنه ليس هدفه، وإنما جمعُ المال ـ وهنا دار في رأسي سؤالٌ هل هذا الطفل أو ذاك الرجل بحاجةٍ إلى مدِّ الأيدي والتسول هكذا، أم أنّ الجشعَ والكسل يُرغمانه على فعل ذلك، واتخاذُ الطريق السهل بدلًا من البحث عن مصدر رزقٍ كريمٍ وشريف؟!
أحمد ـ أحدُ أطفال شارع طه حسين، بائع مناديلٍ لا يتعدى عمره عشرة أعوامٍ كان يتمنى لو أنّ لدى والده المالَ الكافي ليُلحقه بالمدرسة، وأن يتعلمَ مهنة الميكانيكي ليساعد والده على أعباء الحياة، ولكن لا أعلم ما الذي منعه من مزاولةِ المهنة! ربما لأنه يجني خمسة أضعاف ما يأخذه من “الميكانيكي”!
وهذا ما سمعته بالصدفة، حوارًا مع أحد زملائه يُدعى مصطفى الذي لا يتعدى طوله ثلاثةَ أرباع المتر،  أسمرُ اللونِ، يتظاهر بالفقر أو أنه فقيرٌ حقًا مقارنةً بأحمد الذي يتباهى بجنيِ مائة وخمسين جنيهًا في يومه. وهنا تيقنتُ بأن ما قاله بخصوص والده كذبًا، وما هو إلا ليُثير استعطافي نحوه.
اتُخِذ التسول حرفةً ومهنةً ويَتفنّن أصحابه في تجديده حتى لا يُصاب ـ ما يُسمّونه ـ (الزبون) بالملل: بالأمسِ كان الطلبُ كقول (حاجةً لله) دون قول المزيد، حينها كان لدينا تعلقٌ بالله، أما اليوم فينزعون أحذيتهم، ويطلبون منك مالًا لشراء حذاءٍ جديد أو يمسكون بأيديهم شهاداتً مرضيةً أو روشتّاتً طبِّيةً ليكسبوا عطف الناس. رغم أنك إذا اشتريت لهم الدواء، لعادوا من بعدك وأرجعوه وأخذوا ثمنه مرة أخرى. ولا أُنكر بالتأكيدِ الحاجةَ الملحةَ للكثيرين لطلبِ المال وهم بحاجةٍ إليه، ولكن اندسَّ فيما بينهم منْ ليس له الحق في ذلك، واتخذها مهنةً وحِرفةً يُرتزق منها، ولا يكتفي بنفسه فحسب بل يتخذُ أطفالًا “يُسرِّحهم” ليتسول بهم، ويرتزق مما يجمعونه. كان الله في العون، وأعطى كل سائلٍ سؤله طالما بحاجةٍ له.