لا أوطانَ بعدَ اليوم

"في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ، فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ."



واقفٌ، لا تَهزُّ قدميه ريح، مستمسكٌ بأحد الأعمدة بكامل قوته، عيناه تقطران دمًا، يبكي دمًا، لا يقوى على الصُراخ، أو قل يخشى أن يُهدِرَ قوته على صراخٍ غير مجدٍ، الجنود يشدونه حتى تَمزَّق الثوبُ عنه، يطرقون قبضة يده ليُفلِت العمود، أنامله تَقطُر دمًا لكنه لا يفلته، يضربون قدميه ليختل توازنه، يُسقِطونه أرضًا فيُسرع بالوقوف، فيُطلقونَ أول رصاصةٍ على قدمه اليمنى، يختل توازنه ولا يصرخ، يَقفُ على قدمه اليسرى، لا يصرخ، يطلقون رصاصةً أخرى على قدمه الصلبة فيضغط على أسنانه ويسقط، ولا يصرخ، ماتزال قبضتاه ممسكتين بالعمود جيدًا، سينتصر، سينتصر، استحال لونُ الترابِ من حولهِ إلى الأحمر الدمويّ، يُمسِكُ بالعمود، ولا يصرخ، يشدونه من ذراعيه فلا يفلته، يضربونه، يحرقون جَسدَه بجمرات نارٍ، فلا يُفلِت يديه ولا يصرخ، يضربون برأسه اللَّعين في العمودِ، مرة تلو مرة، استحال لونُ العمودِ إلى الأحمر الدموي، وهو لا يفقد وعيه ولا يصرخ، تنسابُ القوة من أنامِلهِ فيطرقون عليها فتنفرج عن العمود ببطء، يقاوم، لكنه لا يستطيع، فيبكي، ويقاوم..
يفقد العمود من بين يديه، فيصرخ، اللَّهُ أكبر اللَّهُ أكبر
يجرونه جرًّا على الرمالِ الحمراء فيَصرُخ اللَّهُ أكبر اللَّهُ أكبر
يدهسون رأسه بالنعال فيصرخ، أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن لا إله إلا الله
يجرونه فيستَمسِكُ بالرمالِ ويصرخ، أشهد أن محمدًا رسول الله
أشهد أن محمدًا رسول الله
يُلقونَهُ خارِجَ السورِ فيصرخ حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة
يتسلق السُور، تصيبه الأسلاك الشائكة فيما تبقى من جسده فيَقطُرُ دمًا ويصرخ حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح
يلتفت الجنود ليرونه أعلى السور فيُشهِرونَ أسلِحتَهُم، فيصرخ اللَّهُ أكبر اللَّهُ أكبر
ويلقي بجسده المهترئ إلى الداخل، وينهالُ عليه الرصاص، ويموت، يموت على إثر الدماءِ التي قَطُرَت من عينيه لا من جسده، يَموتُ على إِثرِ الصُراخ لا الجروح، يَموتُ لأنه بعدما فَقدَ آخر عمود لم يعد لوجوده معنىً
فقد عاش ما عاش، فقط ليحفظ هذه الأعمدة من أيديهم النَّجِسةْ..
يموت، ولا يكتمل الأذان
ولا يَكتمِلُ أبدًا
فقد كان هذا آخرَ مصلٍّ في المسجد الأقصى
ورُفِعَت الأقلامُ، وجفَّت الصُّحف، وانجلى المُصلّين، والمئذنة، والمؤذن، و..

نَكِّسوا الأعلام،
فقد انجلى زمنُ الغضب والثورة والمقاطعة،
نكِّسوا جميع الأعلام،
فلا أوطانَ بعد اليوم.
لا أوطانَ بعد القدس.

“في القدسِ دَبَّ الجندُ مُنْتَعِلِينَ فوقَ الغَيمْ
في القدسِ صَلَّينا على الأَسْفَلْتْ
في القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ.”

“في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ،
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ.”

“لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ
في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ.”

اليوم الأسود / 6ديسمبر2017/ إعلانُ القُدسِ عاصمة الكيان الصهيوني المحتل