مَولِـــدُ خَيــرِ البَــريِّــة

رغم كلِ هذه الأحداث السريعة والصاخبة التي تتصارعُ في هذه المُناسبة إلا أن يومَ المولد النبوي الشريف يحملُ شِقًا من النوستالجيا بداخل قلبي، وقلوب الكثيرين من جيلي. فهو يُعيدُني إلى طفولتي حيثُ تختلطُ ضحكاتي



تمتاز الشعوبُ العربيةُ عامةً، والمصريةُ خاصةً بأن جُروحها تطيبُ سريعًا، فبعد أن اكتست بالأسودِ حُزنًا على ضحايا الإرهاب السرطاني الذي تفشّى في مُجتمعنا، وأصاب قرية الروضة بالعريش هذه المرة، إلا أنها تجدُ سببًا لتكتسي بالأبيضِ من جديد!

الثاني عشر من ربيع الأول من كلِ عامٍ حيثُ يحتفل المسلمون شرقًا وغربًا بالمولدِ النبوي الشريف.
رغم الاعتراضات الكثيرة المُشاعة حول حُرمانية الاحتفال، حيث يظن البَعضُ أنها بدعة استحدثها الفاطميون في مصر بلا سابق وجودٍ لها في الشرائع الإسلامية، ولم يرد لنا عن سلفنا الصالح أيٌ من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي إلا أن مُعتدلي الرأي من العلماء صرّحوا بأنه من المُستَحب إطعام الفقراء، والقيام بحلقات الذكر الإلهي، وصِلةُ الرحمِ مع الأهل والأقارب، وهجر الاحتفالات والبهرجة الباهظة وما إلى ذلك.
يبدو لي ذلك أقربَ إلى الصواب فمَن أكثر احتفالًا بمولدِ النبي عن من قام باتباعِ أوامر النبيِ واقتدى به في كل أمور حياته يوميًا، لا سنويًا!

وهذه الاحتفالات تختلفُ من مكانٍ لآخر، طبقًا للعادات والتقاليد المُتوارثة إمّا بين الحضاراتِ عامةً، أو الفروق بين الطبقات الاجتماعية خاصةً، ولكنّ المُتعارف عليه في هذه الاحتفالات تحديدًا في مُجتمعنا هي حلقاتُ الذكر الإلهي، ومدح رسولِ الله، والتقرب إلى الأولياء الصالحين، والطُرق بتوجُهاتها المختلفة إمّا صوفية، أو رافعية.. إلخ، زياراتُ الأقاربِ، والهدايا، وكذلك يتوجه البعض لزيارة قبر النبيّ الشريف ( عُمرةُ المولدِ النبوي )، وبالطبعِ لا ننسى عُلبة الحلوى، التي تُعتبر مصدرًا لرزقِ كثيرٍ من الناس في ظلِ هذه المناسبة، حيثُ يتهافتُ التجارُ على استحداث أجدد الأنواع، وأبرز الألوان، التي يرتبونها كحباتِ الخرز في واجهاتِهم الزجاجية حتى يجري لها ريقُ الزبونِ، ويبكي أمامها الأطفالُ، وأيضًا استحدثوا منها الماركات، والأنواع، فلكلِ طبقةٍ علبةٌ تُماثل قدر سيادته، هل سيأكل الوزير ما يأكله الغفير! حتى لو كانت ( حلاوة مولِد ) فالطبقات تتخللها!

رغم كلِ هذه الأحداث السريعة والصاخبة التي تتصارعُ في هذه المُناسبة إلا أن يومَ المولد النبوي الشريف يحملُ شِقًا من النوستالجيا بداخل قلبي، وقلوب الكثيرين من جيلي. فهو يُعيدُني إلى طفولتي حيثُ تختلطُ ضحكاتي مع ضحكاتِ الجيران صباحًا أمام يونس شلبي ( تدعي علينا في مولدِ النبي يا رمضان! )، وأستَقلُّ كتِفَ أبي مساءً وسطَ الزحامِ أحملُ السمسمية، وأختارُ عروسًا لأزيِّن بها غُرفتي، وأتسابقُ مع أخي على ركوبِ الأراجيح، وأسيرُ بين الجُموعِ التي تحمل الأعلام الخضراء والحمراء التي تزينت باسم رَسولِ اللَّه، وهي تَضرِبُ الدُفَّ، وتَتَغنّى بمدحِ النبي الخاتم، ويَلحقُها الله حي.. الله حي.