فن المواساة

تَذكّر أنك حين تُواسي حَزينًا: أنَّك قد تُنقِذ رُوحًا من الهَلكة كما يفعلُ الطبيب، لَستَ أقل أهميةً منه، لذا فليكُن صَنيعَكَ بَلسمًا يُراعِي طبيعة الحُزن و نَفسَ الحزين!



حالة الحُزن هي من أعتى الحالات التي تَعصِفُ بالقلب، فيها من ثِقل الروح المُمتزج بالعشوائية و غرابة المنطق وضعف الإرادة ما يَضعُ الحزين في حيرة: كيف سَيتجاوزُ هذا الحزن لينظر إلى بقية حياته؟

فحينما تُقابِل صديقًا حزينًا: تكاد ترى شخصًا آخر غريبًا لا تعرفه، و لا تستطيعُ أن تتنبأ بما سيكون في قلبه بعد ذلك، هل سيستطيع أن يتجاوز الحزن أم سيُحدِثُ الحُزن جُرحًا غائِرًا لن يلتئم مع الزمن؟!

و لستُ بِصَدد توجيه خطابٍ لهؤلاء المَحزونينْ. إنما في هذا المقال نَصائِح لمن حولهم، لك أيها القاريء إذا أردت أن تُواسي حزينًا قريبًا منك، فخَطأٌ مِنكَ في هذا الوقت الحَسّاس، قد يَنكأ جُرحًا أو يُلهِبُ سَخطًا لا تُحمَدُ عُقبَاه و قد يُؤدي إلى عَكس المَطلوبْ، مهما صَلُحتْ نِيتُك!

و سَأسردُ لك نصائِحًا من وحي الخِبرة بطبائع النُفوس، و من سابق خِبرات من قَرأتُ لهم، من شَأنِها أن تُعينَك على انتشال من تُحب من ظُلماتِ الحُزن، فإن لم تَكنْ كذلك، فعلى الأقل قد تُجنِّبكَ الأخطاء الكارثية التي قد تُجنيها في حَقِ المَحزونين :-

1 – افهم غَرض المُواساة:

غَرضُ المُواساةِ في العُموم تَخفيفُ الحُزن، وذلك بأن تَتحَسّس مواضِعَ القُوة في نَفسِ هذا الحزين فتعمل على إحيائها و استنفارها لكي تَتجاوز المحنة! عندما تَفهم ذلك، سَيكونُ كلامك ذا فَاعلية و معنى أكثر وَقعًا في نَفسِه بلا رَيبْ.

2- لا تُبدي جُرأَة و شَجاعة في ادعاء أنَّك تَعرِف حجمَ الحُزن عِند هذا المهموم في حالة إذا لم تكُن مَررت بتجربته أو قد تَناسَيت مشاعرها اللَّحظيّة مُنذ زَمنٍ بَعيد.

يَكفيكَ حينها أَن تَقول: أنَّك تُقدّر هذا الحُزن رغم عَجزِك عن فَهمِ مَداه.

بذلك لن تَصيرَ بِحاجةٍ إلى أن (تُفتي) له ببعضِ الكلام المُتكلّف، فتَتجنّب النَصائح التي قد تُزعِجه.

3 – إن كُنتَ تعلم أنَّ هذا الحزين ممن يُحِبونَك و يؤثِرونك في القُربى: فإيَّاكَ أن تَتأخر عنه، عَاجِل بالوقُوفِ بجانبه قَدرَ الإمكان!

فكل ساعة حُزن لا يَجد فيها الحَزين من يُحِب أمَامه هي كالخَناجِر في صدره!

عندما يَراكَ: قد لا يَحتاج مِنكَ حينها إلى كَثيرِ كلام، قد يَكفيه رُؤيتك بجانبه مُهتمًا بِحالِه فيُغنِيه هذا عَن الكَلامِ الطويل.

4 – عَليكَ أن تُدرك ما يَتحسّس الحزين مِن ذِكره أو التَفتيش فيه .. حينها ستجتنب الأخطاء المُزعجة التي قد تُؤثِر سَلبًا عليه، و حَساسِية المَحزونين لها تتغير من شَخصٍ لآخر، لكن يُفضَّلُ اجتنابها كلها قَدرَ المُستَطاع. و سأسرِدُ إليك بعضها: –

من أكثر ما يُزعِج بَعضَ المَهمومين: أن يَستخِف أحدُهم بسبب هذا الهم الذي أصابه أو أن يُحقِرَ من شأنه، ليست هذه مُواساة بِقَدر ما هي تَسفيه للمَهمُوم نفسه لأن ما يستحق همه شيءٌ تافِهٌ ببساطة!

– و إن كان سبب الحُزن في خطأٍ ارتكبه: فاحذَر أن تنَقلِب المُواساة إلى عِتَاب يَستَجلِب أخطاءً في الماضي التي تَسببت بهذا الهم، رُبما لأنَّ هذا لَيسَ وَقتًا للمَوعِظة، في هذه اللّحظة لا تَكُون مَوعِظة بِقدر ما تَكون تَوبيخًا يَنكَأ الجُرح و يُزيد الألم لا غير. في حِين يكفي المَهموم حُزنه كنتيجة تَعلُّمه خَطئه.

– ليسَ مِن الصحيح إظهارُ بَعضَ الشفقة المُبالَغ فيها تِجاه الحزين عَفيفَ النفس. لأنه يَكره أن يُرى كالمريض الذي يستقوي عليه غيره من الأصحاء. عادة لا يكونُ إبداءَ الرحمة للمريض نافعًا إذا لم يُبد المريض نفسه مظاهر ضعفه و مرضه، و كذلك مُواسَاة الحزين. و تذكَّر أنك تُقوي من تُواسيه فلا تجعل من شَفقتِك شيئًا يُضعِفه.

– على عكس الوضع السابق: فإن البُرودة في مُواسَاة الحزين قد تَصِل إلى حدٍ لا يُطاقْ .. هذا الوضع قد يَتمثَّل في كَلِمة ككلمة “معلش” غير صَادِقة هدفها التهرُّب وتَعكِس عَدم الاهتمام ..

– و إن كانت المُواسَاة وَسيلةَ إِحباطٍ فلا داعي لها، فلا تَكُن مواساتك من بَابِ ” الأسوء قَادِم فكيف سَتستَعِد و أنت هكذا ؟”

ذلك تَحبِيطٌ واضِح حتى لو كَان في نَظرِك مَدعاة لأن يَكُون أكثر قُوة!

– لا تَكونُ المواساة عن الحزين أبدًا بالمقارنة بين هَمّك و هَمِّهِ، أو بإظهار التنافُس في فَظاعة الهَم! فالمُواسَاة نوع من المُؤازَرة و التَخفيفِ بمشاركة الثِّقلْ، لا وسيلة تُلقي بها هُمومَكَ على هموم الغَير أو وَسيلة تَنتَقِصْ بها من هُمومِهم.

5 – أخيرًا: من الأفضل أن نُراعِيَ أن الجُرحَ جُرحٌ و سَيتسَبّب في ضَعفٍ ما لفترة ما، ولا بُد!

وكذلك الحُزن، لذا عَلينَا أن نُراعي هذا الضَّعف وأنه سيأخُذُ وَقتَه، و أن الجَريحَ عادةً لا يزدادُ قوةً في حينه بل يَتطلَّب وَقتًا للشفاء ثم للنقاهة .. إلخ

فلا تُطالِب الحَزينَ بالكَفِ عن حُزنِه فورًا: فهذا تَصرُّف ساذِج لا يُراعي النفس الإنسانية.

في النهاية : تَذكّر أنك حين تُواسي حَزينًا: أنَّك قد تُنقِذ رُوحًا من الهَلكة كما يفعلُ الطبيب، لَستَ أقل أهميةً منه، لذا فليكُن صَنيعَكَ بَلسمًا يُراعِي طبيعة الحُزن و نَفسَ الحزين!