فجوة ما بين العشرين

كم كنتُ حرةَ الفكر، بعيدةً عن قيودِ العمر. تظاهرت الأيامُ بأنها تجري فأنا الآن فتاةٌ بالغة، لم أعد طفلة بعد، ياللحزن!



دائمًا ما كنت مولعةً في صغري بالجمالِ والمثالية، جمال البدايات، أول يوم في مدرستي الابتدائية، الملابس الجديدة، والحذاء اللامع، الضفائر المنسدلة تُداعِب الهواء وأنا أسبق أحلامِيَ العظيمة التي لم يشوبها الواقع بعد.

حلمتُ أن أغزو العالم، أن أوزِّع كلَّ السلامِ والحبِّ الذي بداخلي. كان أكبرُ همي هو ألا أضع على وجهِ أمي خَيبةَ أملٍ؛ لأني أقل من أبناءِ أصدقائها بدرجةٍ واحدةٍ في هذا الاختبارِ البسيطِ للغةِ العربية، كانت هذه نهايةَ العالمِ بالنسبةِ لي. كانت الأحلامُ كالطائرِ الأليفِ الحر، يشدو غِنائًا في الأرجاء، ويرجع لي في آخرِ اليومِ ليستريحَ بجانبي، ويُعطي لي أملًا في يومٍ جديد.

كم كنتُ حرةَ الفكر، بعيدةً عن قيودِ العمر. تظاهرت الأيامُ بأنها تجري فأنا الآن فتاةٌ بالغة، لم أعد طفلة بعد، ياللحزن! أصبحتُ أتثاقلُ الذهاب للجامعة، تُرعبني هذه الوجوهُ التي تنطق بكلمةٍ واحدة: “لا أستطيع”.

أصبحنا نتغنَّى بالحزنِ والفشلِ والجهل، نَسرِدُ الأبياتَ لنقول فقط أن أرواحَنا الشابةِ لم تعُد، فقد شابت على الحلم، وتشققت الآمالُ بها وهَوَت في عجز. أصبح قلبي الصغيرُ خائفًا من الهزيمةِ الحتمية، والاستسلامِ المُلقى في الطريقِ كعرضٍ مجانيٍّ لأي مشكلة.

حقًا كم أتمنى أن يغزوَ هذا الفارسَ الصغيرَ الذي تركتُه داخلي في طَيِّ الأيام، ليصلَ لي بدَفعةٍ من السلامِ والحبِّ، ويهمسَ لي بكلِّ جسارة: “بلى تستطيعين”.