عن “بِذْلَةُ الغوصِ والفراشة”

" بِذْلةُ الغوصِ والفراشة " هي كفاح جان-دو مع الحياة، فهو يُعاركها بجسدٍ ضيقٍ كبذلةِ غوصٍ تجوب أقطارَ رُوحِهِ الحية كفراشةٍ شقيةٍ تَجُوبُ البلادَ والمحيطات



السجن، وكلُّ ما طرأَ عنه في خيالك من كآبةٍ ووحشة، الجدرانُ الأربعُ التي قد تحويك ظالمًا أو مظلومًا، الشاهقُ العالي الذي شَرَمَ عنك أحبائك، أو لربما كنت حبيسَ فعلٍ لم تقوَ على اتخاذِه، أو كلمةٍ سَجَنَتْ أفكارك، أو حتى نجواكَ التي جنَّبتك العالم.

كلُّ ما جال في خاطري أثناء مُطالعة ” بِذلةُ الغوصِ والفراشة ” هو ما عَبَرَهُ جان-دومنيك بوبي من جُلِّ هذه المشاعر.

رئيسُ تحريرِ مجلة Elle الفرنسية، والذي سُجن طَيَّ جَسَدِهِ إثر جلطةٍ أصابت جذعَ دماغه، والتي تركته مشلولًا من الرأسِ وحتى أخمصِ قدميه، مع رفرفةِ جفنٍ أيسرٍ يُعتبر نافذتَه على العالم، فلا هو بقادرٍ على الحركة، ولا الكلام، أو حتى التنفسِ إلا عبرَ ثِقَلٍ من الأجهزةِ لا تُفارقُهُ أبدًا فيما يُعرف بمُتلازمةِ المُنحبس locked-in syndrome، والتي اعتبرها -بنفسه- عقوبةً أخفَّ وطأةً من الموت.

وبمساعدةِ أخصائيةِ النطق -ملاكِهِ الحارس- التي فتحت له بابًا ليتواصلَ مع العالم استطاع أن يُخلِّد مأساتَه، فالأبجديةُ مُرتبةٌ من الأكثرِ شيوعًا إلى الأقل، رمشةُ عينٍ واحدةٍ عند نطقِ الحرفِ لاختيارِه، واثنتان عند نهايةِ الكلمة، بهذا استطاع أن يُسطِّرَ حياتَه.

” بِذْلةُ الغوصِ والفراشة ” هي كفاح جان-دو مع الحياة، فهو يُعاركها بجسدٍ ضيقٍ كبذلةِ غوصٍ تجوب أقطارَه روحُه الحرة كفراشةٍ شقيةٍ تَجُوبُ البلادَ والمحيطات، عبرَ الأفضيةِ والأزمنة، تُصارع الثيران، وتَبني القصور، وتُراقصُ أجملَ نساءِ الأرض، وتَسرقُ الذهبَ والفِضّة؛ لتُسعدَ الطِفلَ بداخلِهِ والكهل.

فراشةٌ شقيةٌ تُشاطِرُ صَغيرتَه سيلست مغامراتِها مع وحيدِ القرن، وتبكي والده المُسِنَّ مآسي آلام الظهر، وتحب ثرثرات زوجته جوزفين التي تتقطع دومًا بـ “جان-دو هل أنت هنا؟”، ولكنه لا يدرك حقًا هل هو هنا؟

رحلت فراشتُه الشقيةُ عن الحياةِ بعد ثلاثةِ أيامٍ من نشرِ الكتاب، وكأنما عادت فقط لتكتبَ عن جسدٍ رَدِي ومن ثَم تَلقى نفسَ حتْفِه.