الحرية أم الانسياق

إنّ الغزوَ الآن ليس استراتيجيًا، بل هو نفسيٌّ و فكريٌّ بحت، ما يُسمّى بـ "الحرب النفسية"



“أنت حر ما لم تضر.”
هذا هو رد معظم الفتياتِ عند سؤالِهم عن معنى الحرية. البعضُ يردد هذه الجملةَ دون وعيٍ أنه من الممكنِ أن يضرَّ نفسه، وأي ضررٍ هذا؟!
في أوائلِ السبعينيات، عندما نزح معظمُ المصريين للعملِ في منطقةِ الخليجِ العربيِّ، جاءوا مُحَمَّلين بثقافاتٍ مغايرة، على سبيلِ المثال: السيداتُ سافرن مُرتدياتٍ (الميني جيب) و(الباروكة)، وعند عودتهن إلى مصر كانوا محجباتٍ أو منتقبات. انتقلت هذه الظاهرةُ إلى المجتمعِ المصريِّ حتى تحجبت كل نساءِ مصر.
مع بداية الألفينات، ظهر المُحتجون على الحجابِ، والمدافعون عن حقوقِ المرأة بحُجَّةِ أنَّهُ يُعيقها عن العمل، وأنه إشارةٌ إلى التخلف!

ولأن (الزن على الودان أمر من السحر) استجابت معظمُ النساءِ لتلك الظاهرة، فحينما تُسأل إحداهُنَّ لماذا تخلع حجابَها؟ تردُّ قائلةً: لأنالَ الحرية، وكأن حريتَها في قطعةِ قماشٍ مثلًا! ولكن السؤال هنا لماذا تغيرنا؟
من وجهةِ نظرٍ بسيطةٍ، هي ما يُسمُّونها “العولمة” وهي مصطلحٌ من خارجهِ يعني التحضرَ، واختزالَ المسافات، ولكن يحمل في باطِنِهِ شعاراتٍ تغزو العالم.

إنّ الغزوَ الآن ليس استراتيجيًا، بل هو نفسيٌّ و فكريٌّ بحت، ما يُسمّى بـ “الحرب النفسية”، والشعبُ يُقلدُ العاداتِ المستوردةَ التي يُصدِّرها لنا الغرب، ولأن لدينا عقدة الخواجة، نعتقدُ أنَّ كل ما يفعلونه جيد، ولكنهم بالفعل يُصوِّرونَ لنا السيِّيءَ فقط، ولو كنا نُقلدهم بالمعنى الحرفيِّ للكلمة، كنا -على الأقل- وصلنا إلى مستوياتِ التعليمِ والصحةِ وغيرها، لكننا تحوَّلنا إلى مسوخٍ نفقدُ هُويتنا، وأوشكنا على فقدانِ الدين، وليس أمامنا سوى جهادُ النفسِ، والرجوعِ إلى أُصُولِنا.

أخيرًا إن كانت الأجيالُ القادمةُ لا تفهم معنى الحرية فهذه مشكلة، لكن أن يفهموا معنى الحرية بطريقةٍ خاطئةٍ فهذه هي المشكلةُ الأكبر.