العالقون في المنتصف

هنا تتكالب عليك العوائق واحدًا تِلوَ الآخر، وتُدرك أنك مركزُ دائرةٍ مُحيطها الأحداث من حولك



منذ وعيتُ لهذه الدنيا والناس، كل الناس يقدِّسون البدايات، يحتفلون بيوم ميلادهم وزواجهم، أول طفلٍ هو الأحبُّ إليهم، أول سيارةٍ لها وهجٌ خاص، و”ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ”.

لكن ماذا عن التائهين الحيارى! الذين لا يدركون متى كانت البداية، بل كانوا يهيمون على الطرقاتِ بحثًا عن ذلك الشيء الغامض، والفردوس المُنتظر، ووجدوا أنفسهم إذ فجأةً ‘عالقين في المنتصف’.

هنا تتكالب عليك العوائق واحدًا تِلوَ الآخر، وتُدرك أنك مركزُ دائرةٍ مُحيطها الأحداث من حولك، وهي تجري بلا توقفٍ وأنتَ أنت، ثابتٌ في مكانك لا تتزحزح قيدَ أُنملة، تراقب من بعيدٍ كأنها فيلمٌ يُعرض أمامك وأنت تشاهد مصبِّرًا حالك: سينتهي هذا الآن،  ولكنه لا ينتهي، فتقرر أنت التوقُّفَ والتفكُّر، أين نحنُ الآن؟
عالقون! بعيدون عن منازِلِنا قدر ساعةٍ أو يزيدُ قليلاً، فلَسْنا قاطني المدينةِ، ولا البعيدين مئات الكيلومترات، لا نستطيع أن ندعو أنفسنا مسافرين، ولكنَّا لسنا المقيمين المستقرين أيضًا، أيامُنا منقسمةٌ بين هنا وهناك، وقلوبُنا حائرة!
تركنا خلفنا أهلَنا وذويَّنا؛ فليس من خياراتِنا ألا نعود، وإن أرهقتنا كثرةُ التنقِّل، فقد قضى الله أن نظلَ ّفي تيهِ ‘مُرتحلي المسافاتِ القصيرة’.

كما عَلِقنا في مسافاتِ الجغرافيا، نعلقُ في تاريخِ حياتِنا القصيرة، والتي أيضًا لم نُدرك بدايتَها، ولم نعِ غالبيتَها، بل أبصرنا في منتصفِ الطريق أنَّا وُضعنا في قالبٍ لم نخترهُ، ولم نكُن حاضرين حين اختاروه، وتمرُّ السنون بينما نفكر، نحاول أن نجمع شظايا روحِنا المُبعثرة، نجمع الكلماتِ والأصواتَ والأنغامَ والحركاتِ، لتكتملَ القصيدة، بكلِّ ما فيها من اختلالِ الأوزانِ وغموضِ الكلماتِ ونشازِ صوتِ المُلقي، ولترضى أنَّ هذا أنت، بكلِّ ما فيكَ من وجعٍ وندوبٍ وفرحٍ وخوفٍ وضوءٍ، ولتعلم أن نصف القمر المُعتم الذي هو وحدتُك ليلًا ودموعُك التي لا يمسحها غيرك، هذا النصف لا بدايةَ له، هو إنّما يمتزِجُ بالنصف الآخر المُضيء، الذي يحوي ابتسامَتَكَ وورودَ روحِك ورفاقَك الطيبين.

ولتَتَيَقَّن أنَّك دومًا بين هنا وهناك، وأبدًا لن تعلق في أحدِ النصفين.