الفقر الجميل

أنا الفقر و ذا نابي .. أنا أكبر إرهابي



غنى إسماعيل ياسين أغنيته الشهيرة (الفقر جميل )  فى سياق  كلماته الكوميدية التي يقول  فيها  ( الفقر جميل وأنا إنسان طول عمره الفقر مهنينى، اللهم افقرني كمان ، اللهم اغنى عدويني ) ويردد الكورال وراءه (اللهم آمين، واجعلنا عدوين ) ويكمل أغنيته بكلماته الساخرة الناقمة على أصحاب الغنى والثراء فهم يعيشون مرضى ويكتسبون احترامهم من الأموال التي يجمعوها فقط وفي اللحظة التى تنفذ فيها أموالهم ،فإنهم يفقدون كل شئ معها، أما هو في فقره فإنه يعيش في احترام دائم وصحة لا تمرض طيلة الوقت،  وهكذا كان رأي إسماعيل ياسين في الفقر،  ومن الجدير بالذكر أن إسماعيل ياسين قد  أصيب  قبل وفاته بالتهابٍ رئوي حاد دخل على أثره المستشفى، وظل في مرضه بلا عمل،  وإلى جانب ذلك تراكمت عليه الديون وطاردته الضرائب، وتم الحجز على ممتلكاته، فساءت أحواله أكثر حتى أُصيبَ بمرض في المعدة والنقرس، كما أُصيبَ بالإكتئاب و مات 1972، دون أن يترك مالا،  وإننى أعتقد أنه لو عَلِمَ بمصيره الذي سيؤول إليه بسبب الفقر، ما كان ليغني مثل تلك الأغاني التي تُمجّد الفقر وتُعظمه، بل أظنه كان  سيبصق على الفقر أو يدوسه بقدميه عوضًا عن ذلك .
ولكن هل من الممكن  للفقر أن يكون بحقٍ  فقرٌ جميل ؟!
في كتابه ( حيوات الفنانين ) يذكر جورجيو فاساري حياة الرسام بيبيترو بيروجينو ومعاناته وكيف أثَّر الفقر إيجابيًا عليه فيقول :
إن الفقر “أحيانًا ” قد يكون مُفيدًا لأصحاب المواهب، وقد يكون حافزًا لجعلهم متميزين في أية مهنة قد يختارونها، ويمكن رؤية ذلك بوضوح فى أعمال بيبيترو بيروجينو فقد رغب في استخدام قدرته للحصول على مكانة محترمة، بعد أن خَلّف مصائب كارثية وجاء إلى فلورنسا، حيثُ بقى أشهر عديدة في الفقر، وهو ينام في صندوق لأنه لم يكن لديه سرير آخر، فحول كل ليلة إلى نهار وعكف على دراسة حرفته مثابرًا في حماسٍ عظيم، وبعد أن أصبح الرسم طبيعة ثانية له، كان سروره الوحيد هو العمل في حرفته على الدوام، وراح يرسم بدأب متواصل، لأن الرعب من الفقر كان ماثلاً أمام عينيه دائمًا، فقد عمل أشياء لكسب المال لعله ما كان سيقوم بها لو لم  يكن مُرغمًا ليعيل نفسه، وربما كان الغنى سيسد أمامه وأمام موهبته سبيل الإبداع والتميز، ولكن الحاجة ظلت تحفزه على الاستمرار، لأنه كان يرغب في الارتفاع من حضيض مركزه البائس المتواضع، إن لم يكن إلى القمة وذروة التميز، فلا أقل من نقطة يستطيع عندها الاستمرار فى العيش .
وكتجربة شخصية شهدتها أمامى أستطيع أن أفهم جيدًا كيف يكون الفقر حافزًا ودافعًا للعمل، فقد كانت لي صديقة  لديها كل شيء حرفيًا، دخلت بيتها فانبهرت به و بأثاثه، كما دخلت غرفتها المزينة النظيفة التي تحتوي على أرقى الأثاث والدهانات والفراش وأفضل أدوات المذاكرة جميعًا، ولكن  ما إن بدأنا  مذاكرة حتى دخلت أمها لتخبرني أنها لا تذاكر وتشتكي لي كسلها وعدم جدوى النُصح معها لتجتهد وتذاكر دروسها  وتحثني أن أنصحها أن تجتهد لكوني صديقتها المقربة فلربما تسمع مني وتأخذ بنُصحي، وقلت فى نفسي إنما كل هذا شيء طبيعي،  فإذا كانت تمتلك كل هذه الأشياء فما هو الشيء المُباشر الذي يدفعها للمذاكرة والجد وهي في ذلك النعيم، وتذكرتُ حينها مقولة ” لا يُدرك النعيم بالنعيم ” إذًا لابُد من بعض التقشف والجوع لشيئ ما حتى يتسنى للمرء القيام بأمر شاق،  لابد من دافع يدفعه دفعًا لذلك وإلا فإنه سيركن للخمول والدعّة، ولن يجد شيئًا ينقصه لجعله ينتفض من فراشه الوثير ويواصل عمله بحماسة ونشاط .
وعلى ذلك فإنه يمكن القول أن الفقر سلاحٌ ذو حدين كما هو الحال أيضًا في الغنى وما يُحدد نفعه من ضره هو طريقة استخدامه . وعلى الجانب الآخر والأوضح إذا  قلنا أن الفقر من أشد المصائب التي قد يتعرض لها الإنسان  فلن نكون بذلك مخطئين أبدًا، فالفقر يحرم المرء من الكثير، ويجعله عاجزًا وقصير اليد، ويسبب له الحرج والشعور بالنقص، ويمنعه من تحقيق ما يرغب فيه، كما أنه الشيء الذي يفرق بين الدول القوية والدول الضعيفة، فإن الدولة الأقوى هي بالطبع  الأغنى أو على الأقل هي التي ليست بالفقيرة . وصَدق  عليّ بن أبي طالب فى مقُولته الشهيرة ” لو كان الفقر رجلاً لقتلته ” فإن الفقر في منظور المجتمع عيب  وعجز لصاحبه تجعله فى حالة  استدانة دائمة من الآخرين،  ويصبح ما  يدخل جيبه ملك للناس وليس ملكه وحده، وكفى بهذا الشعور قُبحًا، وفي منظور الدين فإن الفقر مصيبة وابتلاء بنص القرآن الكريم في قوله تعالى ” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ” ولأن الفقر ابتلاء، فإن الابتلاء إما أن تصبر عليه أو أن تجزع، والصبر هنا ليس المقصود به السكوت عليه وعدم محاولة تغييره ولكن هو الرضا بقدر الله والعمل على تحسين الأوضاع بالاجتهاد  والسعى الحثيث لكسب المال الحلال بهدف التخلص من الفقر والجوع،  هذا هو الصبر الهادف الذي يقصده الدين وليس بصبر عاجز لا يقدم ولا يؤخر شيئًا.
ولو دعونا الفقر ليتحدث عن نفسه فسيقول :
أنا الفقر و ذا نابي .. أنا أكبر إرهابي
أنا المر الذي ذاقت .. ضعاف الناس أكوابي
و أصحاب الملايين .. أتوا للحكم من بابي
و قد داسوا على العرش .. على أعناق أصحابي.
فما الفقر إلا إبتلاء لا سبيل لجعله فقر جميل إلا بالصبر الجميل .