كآبة سادت فرحتنا

أسوان بلد الطيبة والجمال



إنها السابعة والنصف، إذ بيدٍ تُداعب شعري، أخي “اصحي يا أحمد خمس دقايق والقطر هيدخل المحطة”. ظللت أكثر من دقيقتين أحاول أن أتحرك من مقعدي، ولكن الكسل يسيطر عليّ. فلم يكن أمام أخي إلا أن أحضر زجاجة المياه، وأخذ يسقط على وجهي بعض قطرات منها حتى أفيق. أخذْنا حقائبنا وما جلبناه لمحبوبته من هدايا و بدأت أخطو خطواتي الأولى في هذا البلد الجديد، أُناس يملؤها الطيبة من خِصلةِ رأسها إلى ظُفر أرجلها، إنها أسوان بلد الطيبة والجمال. أخذت أختطف النظرات إلى ما حولي من طرق ومحلات وإلى المارة. طبيعة جديدة وأسلوب جديد ولهجة بها إحساس العزة والفخر. ها قد وصلنا إلى موقف السيارات التي ستُقِلُّنا منها سيارة إلى نجع أبوصادق، شعرتُ بالجوع، فلم يدخل بطني طعامٌ منذ اثنتا عشر ساعة. تناولنا الطعام وذهبنا إلى حيث ما نريد. ولأن أخي لم يذهب إلى هناك إلا مرةً واحدة فبالطبع التبست عليه الطُرق، اتصلنا بأهلها ليُرسلوا لنا من يقودنا إلى المنزل. إذ بفتى في منتصف العقد الأول يُقبل علينا وأخذنا إلى البيت. واسترحنا حتى الخامسة والنصف. أقبلت علينا العروس ووالدتها وسلما وإذ بأفواجٍ من الأطفال التي لا تتعدى الثانية عشر واحد تلو الآخر يُسلم ويخرج في خجل وحياء. كان هذا اليوم مُخصص لنتعرف على بعضنا أكثر ولكي يحضروا خاتم الخطوبة، حملتُ حقيبتي الصغيرة على ظهري وبدأت في السير نحو الباب ومع أول خطوة خطوناها أمام المنزل إذ بزغرودة تنزلُ على رأسي أصابتني بفزع كدت أن أقع منه، فبدأ الجميع بالضحك وابتسمت العروس ابتسامة بسيطة خجلًا، فشعرت بقلب أخي يَخْفق وكأنه جرى ثلاثة أميال، إنها حقًا ابتسامة تُوقع القلب! الفرحة تعم المكان، وبدأتْ خالاتها وأطفالهن بالتسقيف والغناء حتى وصلنا إلى الصائغ واشتروا خاتم الخطوبة وإذ بالزغرودة هي هي فوق رأسي مرة أخرى ولكني اعتدت عليها. الجميع فرحون يتبادلون النظرات إلى خاتم العروس ويتمنون لهم دوام الفرح والسعادة، الأطفال تجري يمين يسار من الفرحة والسعادة وإذ بالعروس تقترح أن نأخذ بعض الصور التذكارية، ذهبنا إلى الأستديو في الشارع المقابل للصائغ والتقط لنا المصور بعض الكروت التذكارية التي سيخلدها لنا الدهر حتى وإن لم تُخَلّد علاقتهم، لأني أشك في ذلك! ضحكات وابتسامات لا تُوصف لم أشعر براحة كهذه من قبل! أشعر وكأني وسط عائلتي، إنها حقًا عائلتي! جلسنا لنصف ساعة نتسامر ونضحك لنتعارف أكثر وأكثر، البهجة تعم المكان والأطفال يلعبن. والتقت أسماء بصديق الفصل وظلا يلعبان سويًا راكضين بجوارالمائدة التي يلتف حولها ثمانيةَ أفراد في حلقة تعارف وسمر استمرت حتى الثانية عشر . وإذ بالأطفال مُقبلين إلى خالتهم يرجونها أن تذهب معهم إلى ملاهي الحديقة، فكيف لهم أن يذهبوا لغيرها وهي نبع الرقة والحنان إنها سُعاد وتنشر السعادة فيما حولها، و انهمكوا باللعب أكثر من النصف ساعة. وإذا بأسماء تجري مسرعة – خالتو يا خالتو الحقيني يا خالتو، ونظرنا إليها وإذ بفمها ينزف دم! أخذنا نجفف الدماء التي تنزف ولكن لا جدوى فمها يأبى أن يتوقف عن النزيف، ومع كل منديل يُملأ بالدماء يمتلئ فيه خد خالتها بالدموع، ويرتجف فيها قلبي وأحاول التظاهر بالثبات حتى يشعر الأطفال بالأمان؛ ولكن أُصيب الأطفال جميعهم بالذعر من الدماء، وقد كان بحوزتنا سبع أطفال. أخذتْ تمضمض فمها ببعض المياه إلى أن جاء والديها وهنا كانت الصدمة عليهم أصعب وأصعب! أخذها والداها إلى الطبيب في الحال. كُنت أود أن تكون بخير ورغم توقف النزيف إلا أن الطبيب أخبرنا بما لا يُسعد الجميع؛ إنه كسر في العظمة التي تحمل الصف العُلويّ للأسنان. وللأسف سيأتي يوم يموت فيه عصب السنتين الأماميتين ويكون مصيرهما السقوط. يا إلهي! كيف لطفلة في الثالثة عشر تقبُّل حقيقة مثل هذه! كيف حال والدتها لوعلمت الحقيقة، هي منهارة دون أن تعرف الحقيقة، فما بالك لو علمت! هكذا هي الدنيا لا تدوم سعادتها تنتظرك إلى أن تصل لمنتهى الفرحة وتهوي بك إلى أسافل الحُزن، فليس بيدنا إلا أن نحمد الله على ما حدث وندعوه أن يُفرج كربتنا ويحفظ لنا سعادتنا ويحمي لنا زوجتنا حمدًا لك ربي على كل بلاء زال أم دام!