فقط لمن يريد الموت!

أحياناً تصل بك أحزانك إلى تلك الغاية المشؤومة وهي تمني الموت..تشعر في لحظاتٍ بأن أُكسجين العالم لا يكفيك للتنفُس ...



أحياناً تصل بك أحزانك إلى تلك الغاية المشؤومة وهي تمني الموت..تشعر في لحظاتٍ بأن أُكسجين العالم لا يكفيك للتنفُس، بل إنه يُساعد على زيادة حدة الاختناق، وتتمنى أن يتوقف ذلك الأُكسجين الداخل إلى رِئتيك لتهدأ وتتحرر، حتى لو كان ثمن ذلك التحرر حياتك التي ستنتهي، أحبائُك الذين لن تراهم مرة أُخرى، ذِكرياتك السعيدة، أحلامك التي خطط لها وانتصاراتك التي أقسمت على تحقيقها، بيتك وغرفتك ..كُتبك وصِورك وكل التفاصيل خاصتك.غير مُهتم بمن ستخلو له الأجواء فيختال ويرمح هُنا وهُناك لفراغ موقعك، ومن سيحزن ويشعر بالحسرة عليك، ومن سيشعر بالوحدة والألم طوال حياته دونك! مُنتهى الأنانية والضعف والتنصُل من المسؤولية بدلاً من أن تقف شامخا،ً تزداد آلامك فيقوى إيمانك، فلست وحدك، أنت مسئول عن جميع من حولك، مسئول عن سعادتهم وطموحاتهم، يجب عليك التواجد لمساعدتهم،  على الوصول، والتخفيف من أعبائهم وإرشادهم. سيتغيرون إن كانوا لا يهتمون لأمرك، حتماً من تلتفت له يلتفت لك ويصافحك وتظل عالقاً في ذاكرته، وحتى إن لم تجد مقابلاً من البشر هؤلاء جميعهم! “انَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” ويكفيك فخراً أن اسمك سيكون معروفاً في السماء، حينها عندما تذهب بقضاء الله وقدره يُرَحَبْ بوصولك وتجد مكاناً مباركاً جزاءً لأمثالك.

تشعر بالظلم والقهر..تشعر بالذنب والعار ..تشعر بالحزن والوحدة، الخوف والرعب، العجز والمرض، الفشل والإحباط، الضعف وقلة الحيلة، الفقد والفراق؟ جميعنا شعرنا بهم ..نعم بهم جميعهم وأكثر، لما تظن أنك الوحيد! جميعنا ضحايا نكبة ما لم تأتي على البال ولم تكن في الخاطر، وننتظر المزيد، فلم ينتهي الأمر بعد. ولكننا قررنا جميعاً أن نواجه، فنحن نستطيع. لا نملك قوى خارقة ولا ذكاء يزيد عنك ولا أصدقاء أكثر منك، ولكن نملُك إيماناً قوياً راسخاً بأن حقوقنا ستعود وذنوبنا ستُغفَرْ وحزننا سيزول وخوفنا سيتبدد ومرضنا سيشفى ورزقنا سيأتي وفراقنا لن يطول فكلنا ذاهبون عاجلاً أم آجلاً، ومن معه الله فمن عليه! أما أنت.. فلا أدري ما قرارك؟!
قرأت عبارة فرنسية تقول “الانتحار ليس هو إرادة الموت بل هو إرادة الاختفاء” إنها حقيقة؛ فأنت فقط تريد أن تختفي عن أنظارهم تماماً وتتلاشى وتتخلص من كل ذلك التعقيد، وبالطبع أنت لا تريد الموت. ولكن إن كنت تريده ..أقصد (الموت)! فهو ليس كما تراه في أفلام الكارتون، يصعد شيئا شفافاً من جسدك ببساطة شديدة ويعلو إلى السماء فتأخذه فتاة عيناها زرقاوان وشعرها ذهبي ولديها جناحان فتحتفظ به، ويرتاح جسدك بالأسفل وعلى شفتيك ابتسامة رضا وسعادة!  يقول (صلى الله عليه وسلم):”مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا” وإن كنت مسيحياً، فإن الكتاب المقدس يرى أن الانتحار مساوياً للقتل؛ فإن هذا هو بعينه قتل للنفس، وإن الله وحده هو من يقرر كيف ومتى يموت الشخص، لا يمكنك أن تأخذ تلك السلطة من يده.

أسمعك وأنت تردد تلك الكلمات بأنني لم أشعر بما تشعر به ولا أعلم عنه شيئاً، وأنا الآن أضحك منك كثيراً وأتذكر ذلك اليوم عندما شربت جرعة ..اثنان ..ثلاث من ذلك الدواء اللعين ثم خرجت من المنزل وقررت الذهاب إلى مكان لن يوجد به أي شخص ينقذني، ولكن في طريقي بدأ مفعول ذلك الدواء فشعرت بدوار شديد وكدت اسقط، وبصعوبة وصلت إلى الرصيف وجلست عليه، ووجدت نفسي في حالة تشبه العمى المؤقت، لا أرى هؤلاء البشر الذاهبون هنا وهناك، ولم أعد أسمع أصوات السيارات.
في تلك اللحظات الأخيرة رأيت وجوههم “أحبائي” وهي حزينة، وعيونهم تذرف الدموع لفراقي، رأيته كحلماً، فلم أستطع تحمل جرحهم وكسرتهم تلك، لن أستطع تحمل ذلك الذنب الأعظم، فقمت ولا أدري كيف! وركبت سيارة أُجرة وقلت عنواني للسائق، ولا أدري كيف وصلت فلقد كنت في حالة إغماء، ومنها إلى المشفى، وبعدها عانيت لقُرابة شهر من آثار هذا الدواء فأُصِبتُ بحالةٍ تُشبه الشلل ولم أكن استطع تناول الطعام مما أنقص من وزني كثيراً ولم أستطع حتى الآن استعادة ذلك الوزن، ولكن نجحت باسترجاع أشياء أهم ..كعقلي وعائلتي وحياتي وأحلامي وذكرياتي السعيدة وسلامة قلبي ونجاحاتٍ بسيطة ولكنها متواصلة بفضل الله تعالى. منذ ذلك الحين ..زُرت أماكن كثيرة في بلاد مختلفة، وقرأت ُكتباً كثيرة مشوقة، ورسمت لوحات بكل الألوان، وكسبت أصدقاء لا يُقدَّرون بثمن، وتعلمت أشياء تفوقني عمراً وخبرة، وعشت حيوات جنونية في خيالي وأحلامي، وأنتظر المزيد خيراً كان أم شَرًّا، المهم أن يكون جديد.