” وطني الحبيب “

لقد أغرتني الحياة كثيرًا واليوم أضفت جنسية جديدةً غيرك. أعرفت الآن سبب إفاقتي؟



إنها الثانية عشر منتصف الليل ياوطني، ربما تكون هذه رسالتي الأخيرة إليك، أرجو من الله أن تصلك في أسرع وقت، فحياتي لم تعد بأمان، وأنا بين أحضان نيلك الفيَّاضْ، وطني أفتتحُ كلامي باسم المعطي الوهَّابْ وأتقدم أولاً بالتعازي في أبنائك الذين ضمتهم القبور بدون ذنبْ، فالحوادث تتوافر بكثرةٍ في سماءك، أو هؤلاء المقبورينَ وهُم على قيدِ الحياة.
لا أعلمُ إن كُنتَ تعرفُ ما نحنُ فيه، أم ضُرِبَ بيننا وبينك حجاب، وطني باسمي وباسم كل جيلي أودُّ أن أقولَ لكَ أننا تعبنا، وانقسمنا إلى الكثير من الأحزاب المدمرة نفسيًا التي لا تختلف، فالبعض في زنازين سجونك والآخر في زنازين شوارعك.

دعني أحكي إليك أحوالنا كشباب كتبَ لنا الله أن نُولد على أرضك، كبرنا لنجد الظلام يحيط بنا، لم نفقد الأمل، وبدأنا نسلك كل السبل الممكنه، لنصل بك إلى النور، ولكن لا شيء تغيّر، فأحوالنا تسوءُ يومًا بعدَ يومْ، والحياة أجبرتنا على أن نُفكر في أنفسنا لنعيش، وأحوالك المتكررة منحتنا القُدرة على معرفةِ مُستقبلنا، دعني أضربُ لك مثالًا واحدا، أنا  شاب إذا فكرت فيك وتمسكت بأحلامي ظنًا مني أنَّ هذا هو التصرف السليم كما يحدث فى كل دول العالم، سينتهي بي الحالُ إما أن أعيش مغمورًا وتجبرني الحياة علي فِعل ما لا أرغب كباقي الشعب المصري، أو يبتسم ليَ الحظ في وطن غيرك يا وطني، أما لو تمسكت بنظامك التعلُّمي الفاشل، فسينتهي بيَ الحالُ كغيري إما مُحطَّمة ومُعلَّقة على مشنقة الثانوية، أو سُيحالفني الحظُّ وأدخل كلية قمة ستُعلق على حائط منزلنا مثل باقي الكليات بعد سنوات.
إنني حقًا آسفةٌ على حالك هذا، ولكن ليس بيدي حيلة، سأدعو الله في صلواتي كثيرًا لأجلِك، ربما يستجيب يومًا ما وتُفتح أمامنا أبواب حُبك من جديد، ونستطيع وقتها أن نصنع ثورة إصلاح.

ولأني أعرف حق المعرفة، أن هذه الثورة لن تأتي باكرًا، سأذهب بعيداً، ربما أجد الأمان في بلادٍ أخرى، ولكن اطمأن سأعود إليك، ولكن دعني الآن أذهب وأبيع ما تركته الحياة لي، لأستطيع جمع أموال السفر، فأنت تعلم أنه لا مهرب منك الا وأنا على مركب صغير يضم الكثير غيري، وكأننا خِراف في طريقها إلى الموت، ولكنِّي لا أهابُ الموت فالبتأكيد مياه البحر ستكون أكثر دِفئًا على جُثماني فأنت لم تحنو عليَّ وأنا حيٌ فلا أظن أنه سيهمك أمري وأنا جثة لا فائدة منها.

وطني الحبيب مضى الكثيرُ من الوقت الذي لم أكتب إليك فيه، ولكني كُنتُ في صدمة انبهار بما حولي، ولم أفق منها إلا اليوم، سأخبرك لاحقًا عن السبب.
أكتبُ إليك رسالتي هذه لأصف النّعيم الذي أعيشه فبعد القليل من الوقت العصيب هنا، فَتحت ليَ الحياة ذِراعيها ووجدتُ كل شيءٍ أحلم به، أو استطيع القول أنني وجدتُ إسلامًا بلا مُسلمين، وأظن أن هذه الجملة أوضحت لك كل ما وجدته هنا.

لقد أغرتني الحياة كثيرًا واليوم أضفت جنسية جديدةً غيرك. أعرفت الآن سبب إفاقتي؟ ربما تكون هذه الجنسيه اعتذار لطيف من الدنيا نظير قسوتها في سنوات عمري الماضية، وبالمناسبة لقد تزوجت وأنجبت مصر، وآمل ألّا يكون حظها في الحياة مثلك، لن استطيع أن أعودَ مرة أُخرى فلا عاقل يختار العودة للذل بعد أن ذاق طعم الحرية، الكثير والكثير من شبابك يفكر الآن بفعل نفس الشيء الذي فعلته، إنهم يبحثون عن كرامة، ومستعدون أن يُضحوا بأي شيءٍ من أجل أن يجدوا أبسط حقوقهم في أي وطن، فأتوسل إليك أن تَفيق قبل أن تزرع كرهك فى قلوب الباقين من شبابك، أُحبُك كثيرًا.