طـــاعةٌ وقَولٌ مَعروفْ

ولكني أتألم كثيرًا لهذا وأتَوجَعُ ليلَ نهار وأشعرُ برغبةٍ مُلِحَّةٍ في الإنسحابْ، أودُّ الإنسحابَ من كُلِ شئٍ وأي شئ في هذه الحياة



” ولكني أتألم كثيرًا لهذا وأتَوجَعُ ليلَ نهار وأشعرُ برغبةٍ مُلِحَّةٍ في الإنسحابْ، أودُّ الإنسحابَ من كُلِ شئٍ وأي شئ في هذه الحياة، أَرجوكَ يا صديقي لا أطيقُ الإنتظار! لا تتركني وحيدًا في جوفِ تلكَ الظُلُمات، أترى كم وابلًا من الأحلام انقضى؟ أترى كم سيلًا من الأفكار تجفف؟ أتري كم عددًا من الصفحات انطوى ثم تَمزَّق؟ ثم أترى كم من طُموحاتٍ ومغامراتٍ حُبِستْ بداخلي وصارت طيَّ الكِتمان حتى تَعفَّنت .. فوددتُ يومًا  لو استطعتُ أن أُفصِحَ عنها دون مُجابَهتِها بالمزيدِ من العراقيل! ألا يبدوا عليَّ الإنهماك؟ ألم ترى عينايَ الجاحظتين تحملا شيئًا من هُمومِ الحياة بالرغم من أنّي لازلت في ريعانِ الشباب!
ثم إني وبِشكلٍ واضِح صِرتُ لا أَطيقُ وجوده في حياتي، فوجوده مُزعِجٌ للغاية .. وحاولتُ مرارًا تَجنُبه وإماطةُ أذاه عني .. لكِن وبدونِ جدوى، صدقني! “

كُنتُ أَودُّ لو أننا خُضنا معًا يا صديقي وطرحنا شيئًا مِنَ القضايا الثقافيةِ والفكرية العميقة حتى نَتشبَّه بالمفكرين والسَّاسَةِ العِظامِ في مُجتمعاتِنا الشرقيةِ والعربية في طرحهم للنقاشات، ولوضعنا أنفُسنا على دوائِر العرضِ والطلب ضِمنَ أجود المشاهير وألمعهم على الإطلاق .. ولكن باللهِ ما الجدوى من ذلك؟
إننا وبكلِ أسفٍ نتجاهل تمامًا ما نراه في مجتمعاتِنا من فوضى وجهلٍ وجوعٍ ومرض وأضرارٍ مُجتمعيةٍ خطيرةٍ تتفشى من حولنا وتزدادُ سوءًا بعدَ سوءْ، ومع ذلك نَغُضُ الطَرفَ عنها و نتوارى خلف الأستارِ وكأننا لم نَسمَع يومًا بها، لكيلا نتلوث من ذِكراها، ثُم نُقبِلُ مِن بعدِها على الفلسفة في عالِمٍ هو أشبهُ بالخيالْ، لا يَمُتُ لعالمِنا الواقع بِصلةْ.

ولكن دعنا يا صديقي نتحدثُ سويًا ( بعيدًا عن طبقةِ المُفكرينَ ) وبِلُغةِ المُهمَّشين نُعالِجُ شيئًا من قضايانا الأساسية في الحياة كتلك التي أطرحها عليك.

علينا أن نتيقن أننا وفي تِلك المرحلةِ العُمرية نجدُ بأنَّ هناكَ فجوة عميقة تَحولُ بيننا وبين أَبوَينَا تُسبِبُ ضيقًا وتترُك أثرًا عميقًا في نُفوسِنا ونفوسِهم، يصل إلى حد النزاع فيما بيننا، هذا وأستطيع الجزم بأن ما لا يقل عن ثمانين بالمائة مِنَ الأُسرِ تُعاني من تِلك الفجوات في كَنفِها ” إن لم يزيد “، وتِلكَ الفجوات في إزديادٍ وتناقُصٍ بينَ الحين والحين، كما وعلينا الجزم بأنَّ الكثيرَ من الآباء في تَعنُّتٍ مُستمرٍ مع أبنائِهم في تِلكَ المرحلة وفي إحتدادٍ تامٍ معهم في أغلب الأحيان، بطريقةٍ مُزعِجةٍ يريدون التدخل في تَحديدِ مصائِرهم وإمتلاكِ رغباتهم في الإختيار، دون ترك مجالٍ لهم في رسم طموحاتهم ومُستقبَلهم وبأنفسهم على ورق الحياة! دومًا ما يدَّعونَ المعرفة وإمتلاك الخبرة الكافية، يريدون منا أبدًا أن نسير على خُطاهم وفقط على دربهم في حياةٍ روتينية عقيمة – ليسوا على دِرايةٍ بِسواها – وذلك حتى يضمنوا لنا مستقبلًا أفضل، لا يجدونَ أفضَليَّةً في غيره من الطُرق في مُعجمهم اللُغوي عن الحياة.

يا صديقي أظنني عانيت وإياك بشئٍ من تلك المشكلات ولو بالقليل، وأطلت البحث في سياقها لأتوصل لتوصيفٍ دقيقٍ للمشكلة وأن أساهم بحلٍ وسط يضع مجالًا للتفاهم بين الطرفين، أرى أن السبب في تفاقم تِلكَ الأزمةِ عما سبق هو الطفرة العلمية الحديثة فيما بين الجيلين وانتشار التكنولوچيا بشكلٍ أوسع مكَّننا من رؤية الحياة بمنظورٍ أشمل لم يكن متاحً لهم من ذي قبل، فمثلًا كلًا منا وفي هذه اللحظة يجلس أمام شاشة هاتفه يرى أحدث ما توصل إليه العلم في كل المجالات، يطوفُ العالم ذهابًا وإيابًا، يرى الأولوف المألفة من النماذج الناجحةِ هنا وهناك، يرى وابلًا من الأفكار والمحتوياتِ العلمية والأكاديمية لا حصر لها، كما وقد تَطبَّع الجيل بأكمله بموجةٍ عارمة من السخرية والإبتذال من عادات المجتمع وتقاليده القديمة التى عفى عليها الزمان – بالنسبة لنا – ومن كُلِ مُحتوى قديم ومُبتذلٍ بشكلٍ عام شاملًا أفعالهم بحذافيرها.

”   يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي …”
يحبوننا دون شك! ويتمنون لنا مستقبلً أفضل، ولكننا نرى من العالم ما لا يرون ونطَّلع على ما ليس لهم به علم! فمن هنا ظهرت الفجوة! فقد تربوا على مفاهيم مُحددة عن الحياة تختصر النجاح للإنسان في الحصول على شهادة جامعية ومن بعدها الزواج والإنجاب مع قليلٍ من التربية والإحسان، لم يكن لديهم بديلًا عن هذا فخاضوه للنهاية، صدقني إن الشعور بالجهل عما نرويه عن العالم لهم لهو فظٌ مُرعب ليس بالهين تقبُّله والخضوعُ له، وكأنك تريد أن تجعل من دهرهم في الحياة هباءً  منثورا!

” يا بُنيَّ أترى أنك في الحياة كلما طال بك الدهرُ سئمتَها لا تأمَنُ فيها مكرَ اللَّهِ! كلما تقدمت فيها من العُمر تراها ثَقُلَت وأَثقَلَتْ، هانت وأهانت .. يسقط منها الأفرادُ بين الحين والآخر! فأنا مللت الحياة وانكشف لي سِرُّها، لا أنتظر مِنها سوى الرحيل، أنت أملي في الحياةِ وليس سواك، فتارةٌ أزجرك ثم أمدحك وأخرى أُعنِّفك، أنت إختصارٌ للحياةِ أمامي، أراكَ دومًا مُنشَغِلًا عنِّي أمام هاتِفك .. لا أفهَمُ شيئًا عما تراه أو تروي عنه وكأنك بِمَعزِلٍ عني، تتحدثُ بِلُغةٍ غريبةٍ لم أسمع بها قط! وهبتُ حياتي لكَ فبالله أفرغ عليَّ صبرًا ولا تُمِل بِوجهِكَ عنِّي، فإني ضعيفٌ أصابني الوَهَنْ وعلى الله أجرُك “

واعلم صديقي أن البَارِّين بآبائِهم إما أن يكونوا حَمقى بالكُليِّة أو أنَّهم وصلوا لدَرَجَةٍ عاليةٍ مِنَ الفَهمْ.