خذ 6 عُملاتٍ فقط.. !

- ما بك يا صغيري؟ أراك كثيرًا ما تلوم نفسك، فما خطبك؟ - بالطبع ألومها، كيف لها أن تكون بذلك الاستهتار وتفعل أقل القليل من أجلي؟



– ما بك يا صغيري؟ أراك كثيرًا ما تلوم نفسك، فما خطبك؟ – بالطبع ألومها، كيف لها أن تكون بذلك الاستهتار وتفعل أقل القليل من أجلي؟ – ولم لا يكون القليل البداية؟ – يستحيل! ألم ترى العظماء؟ – ما نراه هو النتيجة، فلم تَعِش معهم ولم ترَ ما يفعلون، فلمَ لا يكون قليلك كثيرهم؟ كفاك عتابًا أيها المثابر، وتعالَ نبحر في أعماق من خلَّدوا ذكراهم على جدران التاريخ. -أين نحن؟ وما هذه السفينة؟ – إنها سفينة الأسرار، ولدقةٍ أكثر، سفينة البحث، فكل ما اعتقدت أنه سر ستجده بالبحث. ولكن ما ذلك بيدك؟ – إنه كتاب سيرٍ ذاتية، وفيه ابن بطوطة بالمناسبة الذي تحبين. لكن هناك ما لفت نظري، فعند قراءتي لأي سيرة كانت دائمًا ما تقع عيني على سطرٍ طويل يحوي فقط ما درسه، لأُفاجأ بأغلب مجالات الحياة تسرَد من جغرافيا وتاريخ وفلكٍ وأدبٍ وفلسفةٍ وطب! فينهمر علي فيضٍ من الأسئلة كماذا وكيف وأين والأهم فهو متى؟! فلنفترض –ضربًا بالمثال- أني أحاول، فلا الوقت كفى، ولا العقل شرب، ولا الجسد استراح ليكمل استيعابه إن فعل، فكيف؟! – أمسك بتلك. – ما هذا؟ – إنها عملة نادرة، استخدمت قديمًا وكان ذو حظٍ عظيم من حاز عليها، وتسمى الصبر. عملة الصبر كانت وستظل العمود الرئيسي للعلم، فرحلة هؤلاء العلماء كانت طويلة، لم يحصدوا كل ما نراه في يومٍ أو بعض يوم. وكانت رحلتهم موحشة، ثقيلة، فلم يجب أن يتسلحوا بغير الصبر سلاحًا. وبالتأكيد قد قرأت في الكتاب عن أسفارٍ وشد رحال كاملة للتنقيب عن معلومة أو مصدر، أو حتى شيخٌ حكيم، فبدون تلك العملة لن تحصل على حتى بذرة. صحيح، ماذا عَمِل ابن بطوطة؟ – ما هذا، إنه غش! لم تقولي أنك ستقومين باختباري، لكن انتظري، أعتقد أنه كان رحالة وقاضٍ وفقيه، وشيء آخر. – هذه عملة أخرى، وهي عملة البحث. يقولون إن حفظت ما أجبروك عليه نسيته، وإن قرأت شيئًا برغبتك حفظته. ومن أول يوم لي في الجامعة لم أًعتق من جملة كدت أراها في منامي من فرط تكرارها، أنت طالبَ بحثٍ، لم ولن تأتي لك المعلومة أبدًا، وقد صدقوا وأحسنوا القول. والآن لندخل غرفة التخيل. سيظهر لك هنا كل ما تتخيل على تلك الشاشة. – دعيني أقوم بالمهمة، سأتخيل بعضًا من نمط حياة العلماء. * يظهر على الشاشة أشخاص تخلوا حياتهم من كل ما يوجد الآن من أشياء مضيعة للوقت ومشتتة للإنتباه، ويظهر أيضًا حسن التنظيم واضحًا* – خالتي، لم تعتقدين أن هذا الرجل يستيقظ باكرًا؟ – أمرك مضحك! أنت من يتخيل ولست أنا! – سأقوم بتنويرك. أعتقد أنهم كانوا يستيقظون باكرًا ليس لمدرسةٍ أو لجامعة، ولا حتى بالإكراه، بل برغبتهم في البركة والبكور والعمل. فتنظيم الوقت وتقسيم اليوم على كل ما تريد فعله، والأهم القيام بفعله وعدم الاكتفاء بالإرادة، سيساعدكِ على دراسة وإلمام وتطوير كل ما تشتهي نفسك. وشيٌ آخر -لكن لا تخبري أمي والحكومة-، فأعتقد أيضًا أن السر كان في الأهل والتفهم، بالإضافة لعدم وجود تعقيدات السفر والتكاليف الباهظة لوطئ بلدٍ واحدة. فكما قرأت، كانوا إن أرادوا شد الرحال لطلب علمٍ، شدّوه.. وإن أرادوا تأملًا وزهدًا، فعلوا. فهاتان عملتان أيضًا، عملة التنظيم، وعملة الترحال. – أحسنت. وأيضًا في غابر الزمان، كانوا يعانون من النقص في كل شيء وكانوا قليلو الإمكانيات، ورغم ذلك كان الشغوف منهم يهِم بالإلمام بكل ما اكتُشف في زمانه، ويبحث عن كل صغيرة وكبيرة، ويزيد من الشعر بيتًا عندما يخترع، ولا يحدث ذلك حتى يصل منه الشغف حد الجنون، وبالتالي لا يصل لتلك المرحلة إلا حينما ينظر على كل علمٍ. وتلك عملة الإصرار. – لكن كيف درسوا كل تلك المجالات الكبيرة؟ فأي علم بمفرده يستغرق حياة الشخص كلها لدراسته! – نعم يا عزيزي، لكن ذلك في عصرنا هذا، عصر الأوراق البحثية والاكتشافات اليومية الكثيرة. لكن في وقتهم فأغلب ما كانوا يدرسونه نظريات وأطروحات. فعالمٌ يعارض رأي آخر في شيء ما، ويطرح له رأيه، وهكذا، فلم يكن -بعضهم- علماء بالمعنى الدقيق لما نعرفه، مثل يعقوب الكندي، فقد برع في أشياء كثيرة جدًا لكن ما اشتهر به هو الفلسفة، إقرأ في سيرته وستفهمني. أما هيباتيا ثيون فهي فيلسوفة، لكن عُدًّت كأول امرأة في التاريخ تلمع كعالمة رياضيات وفلك. ولكنها في الأساس فيلسوفة. و كما رأيت ابن سينا، فهو فيلسوف وطبيب، وألَّف أكثر من 200 كتاب حول الفلسفة والطب. وهكذا. ولا يأتي بكل هذا إلا من معه عملةٌ أخيرة، وهي عملة العلم، حب العلم من أجل العلم، وليس لشيءٍ آخر. – من الجيد أني لن أرجع خالي الوفاض، بل معي 6 عملات نادرة، عملات قلما أدركنا معناها لكثرة تكرارها. – بالضبط، فالمشوار ليس قصيرًا أو مريحًا يا صغيري، يجب أن تبحث وتصبر، وتعرف ما الذي يقوّم ويُجدي مع شخصيتك. فلكلٍ منا طريقته واستيعابه، آمل أن يكتشف كلًا منا شخصيته.