عم عبده

مصدر الإلهام



بابتسامَتِه المُعتادة يُطلُ على كلِ ما حوله كل صباحْ، رجلٌ جميل المشاعرِ طيبُ المظهر وخفة الظِلِّ تكاد تكون أكثر ما يملك.
يعيشُ بَعيدًا عن بلاده الأصلية في مدينة السّحر “معشوقة الإسكندر”، ليس مُجردُ شخصٍ عاديّ، بل كانَ فارسًا مِغوارًا يخدمُ بلاده بكل شَغفٍ وحُبْ في كتائب الأسطول البحري.

ماذا يعني لمن حوله!

هو مصدرُ الإلهام والمثال الحي لراحة البال الصافية التي لا تشُوبها أي شوائب، بشرته السمراء لم تكن عائقاً أمام إضاءة وجهه بالابتسامة العريضة في وجهِ الجميع.

فهو يُحبُ ولا يكره، صريحٌ يُحِبُ الضَحِك كأنفاسه التي تدخل شهيقًا لرئتيه، علاقاته فاقت مدى وجوده، حتى علاقته مع المرض لم تكن سيئة، بل كان يَقفُ قويًا مُواجهًا لكلِ ما يحدث بإبتسامةٍ واهيه!

كان يهابُ الأجهزة المخيفة التي تتواجدُ في العيادات أو المستشفيات وكان يكره شعور عدمَ قُدرتهِ على نَيلِ حُريته في الحياة وانفتاحه لنسماتِ هواء المعشوقة.

على مدى حياتي التي ليست بالطويلةِ لم أعثُر على أحدٍ لا يُحبه أو يحبُ الحديثَ معه.
حتى العدو الكامن الخبيث لم يعلم عنه شيء حتي في آخر أيامه.

كان يُودّع الحياة كما جاء إليها، كما كان صوتُه يَخترقُ ما بين النوافذ التي تعلو المقهي الذي يَجلسُ فيه، كان يمتلئ بالحَيويةِ والسعادة والضَحك عاليًا.
كأنه كان يُودع كل ما يُحب، كان جالسًا ويطلُب ما يحبه ويتمسَّك بجلوسِ كل من يمر كي يجلس معه.
“تعالي أشرب حاجة والله العظيم مابعزم يا شيخ مصطفي-إنت حبيبي ومتنساش اللي قولتلك تعمله فالجامع بالله عليك- وهو -تغيير مناشف المسجد شديدة الإتساخ ووضع المُشترى حديثاً-”
يرويها الشيخ الذي امتلئت عَيناهُ بالدُموع القاسية التي تُعلن عن حزننا عند فِراقِ مَن نَعشقْ _ وهو يصلي صلاة الجنازة_، قِيلت قبلَ الموتِ بيومٍ واحدٍ فقط.
وكأنَّهُ كانَ يعلم!

لم يترك شيئًا ولا شخصًا يُحبهُ إلا وضَحِكَ مَعه وقال له نُكتةً من نكاته المُختلف قبل أن يُعلن عن رحيله، كان يلهَثُ حينَ يمشي بعضَ الخُطواتِ بسببِ المرض حاملًا عَصاهُ ولكن قبل الموت بيومينِ قامَ بالتخلُّصِ مِنها مُنزعجًا في مُنتصفِ الطريق وهَرولَ مُسرعًا وَسط اندهاش كُل المُرافقينَ كي يُثبِتَ لنَفسهِ أنه قَويًا ليس بحاجة للمساعدة!

لن أنسي جَلساتِنَا يا “عم عبده” منذ صِغَري وأنا ألعنُ المسافات التي كانت تُبعدُني عَنكْ، لن أنسي مُبارايات الأهلي وتحليلاتِك وتَعصُبكَ الشديد لللونِ الأحمر ولنسر الأهلي، لَنْ أَنسى أيَّ لَحظةٍ لم تتركني فيها حزينًا ومازَحتَني بِمُزاحك العَذبْ، لن أَتركُ الموتَ يُبعدُ عني ذكرياتي مَعكْ، سَتظَلُ “والله بحبك انتة أكتر من أي حد يا كيمو يا عسل” تَترَدَدُ في أُذنايَ حتى ألحق بك.

لا أعلم إذا كُنتُ سَأستَطيعُ كتابة كل ذكرياتي معك التي لم تُفارقني يومًا ما، أعتقدُ سأحتاج إلى مُجلداتٍ لفِعلِ ذلك، لم تكن قريبًا بل كُنت أبي الثاني.

أُحِبُكَ يا “عم عبده” مَحبةً لا يَعلمُها إلا اللَّه وحده، تركتني ورَحلتَ عني ولكني أعلمُ أنَّكَ لَستَ صاحِبَ الاختيارْ، لا أعلمُ كيف سأدخُل مرةً أُخرى ولا أسمع صوتَكَ يُنادي باسمي من بَعيدٍ حتى نَجلِسَ سَويةً بَعدَ فَترةِ غِيابْ!

ذِكراكَ تُخَلّدُ في قُلوبِنَا وتُكَرَّم ❤