كشجرةٍ طيبةٍ

الكلمة الطيبة



فى منتصف القرن الثامن عشر , ظهر طبيب حسن الخلق , طيب الكلم , باسم المحيا , يدعى مايكل شوباش , كان يمارس الطب بشكل غير تقليدى , فكان يستخدم القوى العلاجية الطبيبعية لإحداث العلاج لمرضاه , وكان يعيش فى جبال الألب , فيضطر المريض أن يصعد عبر الممرات الجبلية لكى يصل إليه وما أن يصل حتى يشاهد المناظر الطبيعية الخلابة , فيشعر بتحسنٍ كبير حتى قبل أن يرى الطبيب , وكان شاوبش يمتلك صيدلية صغيرة فى غرفة تعج بتلك الزجاجات الملونة الممتلئة بالأدوية العشبية التى تحمل أسماء مبهجة ومفهمومة , وليست أسماء معقدة كتلك التى فى عصرنا الحالى ,  مثل ( قلب الوردة , ضد الوحش , زيت الغبطة ) فكان المريض يشعر بارتياح شديد يساعده فى تقبل العلاج والتماثل السريع للشفاء وأصبح يأتى إليه جميع الناس من كل البلاد صغيرهم وكبيرهم ,غنيهم وفقيرهم ,وحتى الملوك كانت تذهب إليه لاعتقادهم بأن معجزة ما تحدث هناك تساعدهم على الشفاء . . وكما عُرف من قديم الزمان أن استعمال الكلمات الرقيقة له أكبر الأثر فى تغيير نفسية المرء من حالة شديدة السوء إلى نقيضها فى وقت قياسى , بل قد تكون العلاج الأمثل حين لا يكون هناك حل مجدى لحالة شديدة البؤس ولا سبيل للمؤازرة فيها غير سبيل الكلمات , حين يقف المرء المنكسر منزعجاً مكدراً لا يريد شيئاً غير بعض الكلمات المهدئة التى تتخلل سويداء قلبه فينقشع لها بعض ظلام اليأس والهم . وحتى الحديث المعاد سواء أكان صادراً ممن نحب أو كان ممن ذى علم أو كان من ذى قدر ومكانة أو كان صادراً من انسان بسيط صادق لا يريد لنا غير الخير , أو كان من قريب أراد أن يؤدى واجبه تجاهنا ويرحل أو كان من كل هؤلاء مجتمعين , فإن الكلمات تظل تفرض نفسها وتظل قادرة على تحريك أوتار القلوب بمهارة فائقة وربما لتكرارها أثر فى زيادة قوة المعنى , ورنتها فى أذن المحزون تؤكدها , فيهدأ لها خفقان قلبه المضطرب وتمحو عنه بعض سحب الشقاء المتراكمة فى عقله , وتأنس بها روحه المستوحشه وعندما أذكر الكلمة الطيبة لابد أن أذكر أمى , فما وجدت أمى يوماً تُنعتنا ولو حتى باسم حيوان لطيف كالحمار , ما كانت تُنعتنا مطلقاً حتى أنى أظنها أرقى مخلوق رأيته وما أحببت فيها صفة تميزت بها عن أمهات كُثر كما أحببت نقاء لسانها وطهر خلقها ونفسها المترفعة عن البذاءة ورحابة صدرها وتعاليها عن الوقاحة بحجة أن نلبى لها مطالبها , وإنما علمتنا الخلق بخلقها والسمو بسموها فكانت فى أعيننا ذلك الملاك والقبس النورانى الذى ينير بيتنا . إن الكلمة الطيبة نبتة نضرة تشفى العليل , وتعزى المكروب , وتصبر الثكالى , فما سحرها العجيب إلا لغز لا يعرف الناس له تفسير وإنما يعرفون أثره فى قلوبهم فقط , وقد تكون الكلمات معجزة حقاً كما هو الحال فى القران الكريم , وكون الكلمات شديدة الأثر بالغة القوة فذلك لأنها قادرة على أن تخلق ارتباطات قوية بين مفاهيمنا وما نحن عليه الاّن وبين المستحدث الذى أزعجنا وسبب لنا الألم , وتصوغ صوراً ذهنية تسمو بنا عن التفسيرات الغير مقصودة أو التى يتركها لنا عقلنا فى محاولنا منه أن يضخم من هول ما حدث ليشعر أنه بذلك أدى دوره على أكمل وجه فى حين أنه لا يزيد الأمر غير سوء وتخسير وللرموز كذلك أثر ربما أكبر من أثر الكلمات , فهى تختصر الكلمات والعبارات المطولة فى شئ واحد له معنى كبير , فمثلاً نجد أعلام البلاد , تعبر فى ظاهرها عن مفاهيم الوطنية والشجاعة والحب والقوة وغيره .كذلك فإن الهدايا التى أمرنا أن نتهادى بها الرسول ما هى إلا رمز تغنى عن الكثير من الكلمات اللطيفة وربما هى أفضل حلٍ لمن لا يملك فن البلاغة أو الكلام ليعبر عن مشاعره الصادقة , ونجد بعض الناس يصابون بأمراض خطيرة أو يتصرفون بقدر كبير من العدوانية أو ينساقون لأصحاب السوء وما يتبعه من تبعات لا تخفى على أحد , والسبب فى ذلك افتقادهم لقدر كبير من الصحة النفسية بسبب قلة الكلمات الطيبة التى يبادر بها الأخرون تجاههم فتكون صحتهم النفسية على المحك , ونراهم فى بيئة تعج بالكلمات المؤذية للسمع والشتائم القبيحة والسب الذى ربما يُخرج المرء عن ملته لشدة بذائته . بل ربما يُخيل إلى البعض أنه إن أحسن لمن حوله ببعض الكلمات الطيبة أنه سيخسر قليلاً من هيبته وجلاله وأنه لابد من بعض السوقة والغوغاء حتى يُسمع كلامه ويُطاع أمره , ولكنه لا يعرف أن أفضل البشر هيبة وأجلهم وأرفعهم قدراً هم أصحاب الكلمات الطيبة فإنهم يطيرون بها إلى قلوب الناس بجناحين ويصلون إلى منزلة عالية فى صدورهم باليسير منها , فمن المعروف أن صاحب الكلمات اللاذعة وشديدة البذاءة هو أخس الناس وأحقرهم وهو مجرم لا يُحاكم , وهو بكلماته ربما يصيب شرف الناس فى مقتل , وهنا لا مجال للندم أو الأسف فما أن تخرج الكلمة من فمه فلا سبيل لرجوعها ولو بمقتله و قطع لسانه معاً , وحتى الذى يشتم بداعى النصيحة أو الحرص على مصلحة الغير فإنه لا يُزيل الباطل إلا بباطل مثله . ولنا فى رسولنا خير قدوة فهو مع قدره لم يكن يصدر عن لسانه مكروه ولم يسب أحد أو يهين إنساناً قولاً أو فعلاً ,وما ينبغى له , لأنه يعلم أن الإنسان هو مخلوق الله المكرم , وكان يعلمنا فى غزواته ومعاملاته مع أهل البلاد التى يفتحها لنشر الإسلام أن الأنسان يجب أن يحترم بغض النظر عن عرقه وجنسه ولونه فقط إنسانيته هى ما تستوجب أحترامنا كما روى عنه عن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وسلم َأَخَذَ بِلِسَانِهِ فقَالَ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ, وأما عن الأثر فربما ترى فعله فى نفوسهم فورياً فعالاً , وربما لن ترى أثره إلا بعد حين , ربما تراه بعد أعوام كُثر حين تشيخ وتكبر, ومن الممكن ألا تراه إلا على حافة القبر حينها يكون لسانك حجة لك أو عليك . تذكر أن لسانك سلاحاً يذبح كما تذبح السكين , ويقتل ولكن بغير دموع , فعلينا أن نأخذ كلماتنا على محمل الجد وننظر إليها نظر المترقب الذى يخشى أن يصيبه أو يصيب غيره سهم من أذيته ,ولنعلم أننا بالكلمة الطيبة نفتح مغاليق قلب إنسان بائس وعقله ببضع كلمات نيرات لا تكلف شيئاً لكنها تترك فيه أثراً عظيما , ربما نحصده يوماً فى الدنيا أو نلقاه فى الاًخرة أجراً يُثقل ميزان حسناتنا أو يكون حجة علينا نجر به إلى نار جهنم ونعوذ بالله , وكما قال الشاعر ( كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشُجعان)