عندي عشرون

في كل عام أكبر ألف سنة !



كنت قد كتبت هذا الكلام على بُعد أيامٍ قلائل من ذكرى يوم ميلادي العشرين، لكن اعتبارًا لهذا اليوم.

لا أستطيع التعبير عما يدور في خاطري حيال هذه الذكرى، أحيانًا أمقتُ التفكير في استنقاء ألفاظٍ من شأنها حمل المعنى كليًا بصوره والمشاعر التي يحويها، لكنه من الجيد أن يصل، ووالله لسعادة المرء بإجادة التعبير عما يساوره ويشغله لاتضاهيها سعادة، ومن ذاق عرف. عشرون ياصديقي، عشرون سنة، سنةٌ تناطح الأخرى، وتعلّي فوقها، وتُثقل. عشرون سنةً وأنا ألحظني، وأنا ألحظ الدّرج الصاعد الذي لم يستقم يومًا ولاينبغي له أن يستقيم. “في كل يومٍ أبدو مغايرًا ، في كل عام أكبر ألف عام” إن العمر كذبة، وإن النفوس لتشيخ وإن لم يبلغ أصحابها الحلُم، وإن القلوب لتهترئ وإن لم تعمر أرواحها في هذه الدنيا شيئًا. عشرون، وإنهم ليعجبون من عجالتها وإنها لقليلةٌ –فعلا- في ميزان التجارب، لا تساوي شيئًا ربما في ميزان الحظ والفرص، لكنها في ميزان المشاعر، ميزانُ القلب والنفس تعدل دهورًا.

أخال أن التغيرات التي تحدث في شخص الإنسان، في طريقة حياته، سلوكياته، مشاعره، طريقة تفكيره وانفعالاته، معدل هذه التغيرات التي تحدث في مقتبل العمر أسرع بكثير مما يحدث بعده؛ قد لا أرى مثيلا لمقدار تغيري في الأعوام الخمس الماضية مثلًا إلا بعد الأربعين. لم آخذ حظي بعد من التجارب، لكنني أشعر وكأنني عايشت الكثير درجة أني لاأقدم على تجربة الأشياء كالسابق! تكرار الأخطاء بات أمرًا شبه اعتيادي، قد يُلدغ المرء من جُحرٍ مرتين وثلاثة ومائة! لا أقول بأن ذلك لايضيره بل يحرقه، ينكل به ليل نهار، لكنه الجهد والمقدرة، وسرعة الاستجابة والتأثر.

لا يتهمنني أحدٌ بالتقاعس في شيءٍ لستُ أتقاعس فيه غير أنه أقصى ما وصلت! عزائي أنني لا أمل المحاولة، فالموت في طريق أشبه بالوصول، ولكنكم قومٌ تستعجلون. إن الخيالات البعيدة والعوالم الوردية الموازية من أهم ما يبقينا أحياءً ويعيننا على نوائبنا وانتكاساتنا، وهي -بعينها- التي تسحب الكرسيّ من أسفلنا أحيانًا لنصفع الأرض، بل لتكسر مؤخراتنا الأرض من عمق المفارقة، وطول مدة السقوط. تعلّمت في عمري قليلًا من الموازنة في هذا الأمر، متى أطلق العنان لخيالاتي وتصوراتي، ومتى أُحكم لجام عقلي، لكنّ الإحكام جدُّ صعبٍ ويستحيل عليّ أحيانًا، أعلم هذا وأرضى بجَهدي وأحاول.

“أعلم انك غاضبة مني أنني صرفت وجهي عن كل هذا الجمال طواعيةً .. أنا أيضاً لا أعلم كيف زهدته كذلك ..” أحببت هذه العبارة، وآلمتني، ولعل ما أحسسته وراءها أكبر بكثير من معناها الظاهري المطروح للوهلة الأولى. إن طول الأمل والصبر يجرحان الرغبة، يطفئان جذوتها، بل ويستأصلانها من جذورها. لحُسن الحظ أني لم أتعرض بعد للمواقف التي قد أكون فيها مُجبرًا على اتخاذ قرار مصيري بشأن ما، قد تختلف حتى مصيرية الأمور بين الناس وبعضهم، لكن الأمور البسيطة ليست بالهينة، وإن المرء ليؤتى من صغائره، ويُلدغ مما لا يلتفت إليه ولا يعيره اهتمامًا.

حزينٌ على كل الأشياء الجميلة التي فقدتها من دون علمٍ ولا حذر، على كل الأشياء التي أصبحت عادية، على كل الأشخاص الذين لم يعودوا استثنائيين! “الغياب هو الغياب، والذكرى في قلوب الصحاب أبقى، أبقى النهاردة معاكم بُكرا مش هبقى” في العمر القليل الذي عِشت خالطتُ الكثير من الرفاق، لم يكن لدي أصلًا تعريفٌ محددٌ لكلمة رفيق، مرّت فترةٌ عليّ، كان يدخل عليّ من بابي من يستطيع أن يدخل، كان كلُّ الناس رفاق، وكلهم أصحاب، أعدادٌ مهولة، قد أتعرف لأحدهم اليوم، ثم ذا هو صاحِبٌ في اليوم التالي، مُخوّلٌ لأن يشاركني كل شيء في حياتي، مُخوّلٌ لأن يحفظ السِّر.

ثم رزقني الله مؤخرًا بأناسٍ ما حمدتُّ ربي على شيءٍ بقدر ما أحمده عليهم، علّموني الكثير، لا أستطيع حقيقةً أن أعدد هذا ولو على عُجالة، لكنني أحببتهم دومًا وتأثرت بهم كليًا، ووضع كلٌّ منهم فيّ شيء، أستطيع أن أميزه وأنا معه، وإني على كل وقت كنت فيه معهم ومن قبلهم لست نادم. عرَفتُ أنواعًا شتى من الحُب والتعلّق، غير أن الهوى الذي يُفصّل على أنه وقوع القلب في هذه أو تلك فلم أذق طعمه في عشرينيّتي الأولى ولم أعرف إليه طريقًا. لا أدري مدى حسن حظي من سوءه في ذلك، لكني أرى الفضل في التجربة وأرجح الخيبة على الوفاض الخالي. وما وراء الكلم.. كثير.. وثقيل.. ولا يفارق مخيّلتي، يعيش معي .. ربما لم يحدّث عن نفسه بعد .. ربما لم يجد القالب النصيّ الذي يكون جديرًا لأن يصاغ فيه. ربما لن يحدث.. ربما يكون من الكلام الذي حُبس وكان ينبغي أن يخرج.. ربما أجهز عليه الصبرُ وطول الأمل.. أيًا ماكان فهو في نفسي جميلٌ، قبل أن يخرج ومتى ما خرج.. يعبر عني ويكشف حقيقتي..حقيقتي أمام نفسي.. طيبةً كانت أم سيئة.. لا يهُم. هي جميلة.. جميلةٌ لكونها حقيقة.. ولكونها أمام نفسي.. سعادتي غامرة بمن شاركني الود قريبًا، معبرًا عن هذا أو مخفيه حتى في أقاصي نفسه، استشعر هذا وأرسل لكم سلامًا.