ناقصٌ لا يكتمل

وبالرغم من وضوح حاجتنا إلى التعلق بمن حولنا من بشر، إلا أنَّ علاقاتنا بهم لطالما كانت لغزًا محيرًا



إذا اجتمع ناقص بمثيله فهل بالضرورة أن يكون ناتج اجتماعهما كاملًا؟ وما احتمالية أن يكون الناتج كاملًا؟ وهل يعي الناقص بقيمة الكامل حتى يحكم أنه اكتمل؟ وإذا فرضنا أن ذلك الناقص لديه نموذج يحكم به على درجة كماله، فوفقًا لقوانين الاحتمالات فإن احتمال اكتمال الناقص بناقص مثله ضعيفةً جدًا.

قد تقرأ تلك السطور وتشعر بفلسفةٍ فارغةٍ من الجدوى، ولكن دعنا نسقط تلك الفلسفة والاحتمالات على علاقات البشر ببعضهم البعض، نحن –كأفراد- ناقصون، وكثيرٌ منَّا من يتعلق بالبشر كي يعوض نقصه، كي يُشارك معه ما يلقاه من أحداث بكل ما تحمله تلك الأحداث من مشاعر، يحكي له عن ما يدور بخلده، وما يلقاه كل يوم، لأنه لا يقوى على التفكير أو الشعور وحده بعقلٍ ناقصٍ، وشعورٍ متهالكٍ.
وبالرغم من وضوح حاجتنا إلى التعلق بمن حولنا من بشر، إلا أنَّ علاقاتنا بهم لطالما كانت لغزًا محيرًا، فحين نبدأ التعلق بشخص ما، ونوهبه الكثير من حبنا، ننتظر منه أن يكون لنا سندًا دائمًا، وألا يخذلنا أبدًا ما حيينا، وأن يتفهمنا بجميع حالاتنا، ويفعل ما نرجوه تحديدًا، وفي اللحظة المناسبة تمامًا، وبطبيعة الحال فإن تلك الشروط وإن تحققت فلن تدوم طويلًا، وذلك ليس بسبب أن الناس سيئون، ولا أن الحياة قاسية غير عادلة، ولكن لأنهم بشرٌ ناقصون –مثلنا تمامًا- وكلانا لن يبلغ الكمال بوجود الآخر، وعلى الرغم من ذلك فإن نقصاننا لن يمكننا من المضي وحدنا، فنحن –دائمًا- بحاجة لصحبتهم لإكمال الدرب.

وعلى الجانب الآخر، فإنَّ منّا من يعي ذلك، فكلٌ إلى زوال، فيلازمه ذلك الشعور دومًا مما يجعله يشعر باستسلام شديد إذا تغايرت الظروف دون السعي، أو الأخذ بالأسباب للإبقاء على الوُد، ويصاحبه رغبةً في البقاء وحيدًا مما يزيده ألمًا جديدًا إلى ألمه.
من تمام النضج ألا نتوقع ما لا سبيل لنيْله أو تحقيقه، ومن تمام الإنصاف أن نعلم معنى بشريَّتنا حتى لا نظلم أنفسنا أو نوقع الظلم على من حولنا.

خُلقنا من تراب، والتراب متمايزٌ كتمايزنا، فيه من السهولة، والليونة، والصعوبة، والشدة، والطيب، والخبث، وكلٌ منَّا يملك من تلك العناصر ما يكفي ليجعله في صراعٍ دائمٍ مع نفسه، ومع غيره، وخَلْقُنا كان بيد الله فصار لنا من كل صفات الله جزءًا، وبذلك امتزجت أجزاءٌ من متغيرات شتّى فصار ابن آدم.

فكيف تعوِّل على نفسك، أو على أحد من بني جنسك!
كلُّ نقصاننا لحكمة، وهي حاجة الإنسان لربِّه، وحاجته لتسليم أمره لقوةٍ لا يشوبُها نقصان، وقدرةٍ لا نظير لها، ومع ذلك، فالتراب –في اللغة- اسمٌ لا مفرد له، فهو لا يتواجدُ إلا في اجتماع مع غيره من ذرات التراب، ولكنَّ اجتماعه لا ينفي عنه أنه تراب يتعطش لماء السماء.