ذكريات تسخر من الذاكرة

أمسكتُ القلمَ لا أدري ماذا سأكتب! تلاشت الكلمات من رأسي، نسيت كل ما ذاكرته طوال العام. هل هذا ارتباك الامتحان فقط أم أنه تأثير الحادث! يا رباه!



أمسكتُ القلمَ لا أدري ماذا سأكتب! تلاشت الكلمات من رأسي، نسيت كل ما ذاكرته طوال العام.
هل هذا ارتباك الامتحان فقط أم أنه تأثير الحادث! يا رباه! هون علي! أعلم أنك لا تضيع أجر من أحسن عملًا، وإني أحسنته وأديته حق الأداء. يارب! لم استطع تذكر شيء سوى اسم المادة لأنه مكتوب على ورقة الإجابة. أخذت اتبادل القلم بين أصابعي وأنظر إلى المروحة، تراءت إلي وكأنها نسر يطوف حول القاعة ينتظر التقاط فريسته، سقط القلم أرضًا بجوار قدمي اليسرى، وشعرت بدوار شديد عند التقاطه وبعدها فقدت الوعي. رأيت في مخيلتي ثلاثة أطفال يحومون حول بركة من الوحل مرارًا وتكرارًا -لا أدري ما غرضهم من ذلك- ربما ينتظرون شيء ما سيخرج من هذه البركة أم أن هدفهم هو اللهو، لا ادري! جلست على صخرة بالقرب منهم أشاهد ما يفعلونه في صمت، بعد بضع ثوان اقترب أحد الأطفال والتقط كتكوت مبتلا يرتعش من هذه البركة – يبدوا أنهم يستمتعون بوقتهم في إيذاء الحيوانات والكائنات الضعيفة- أخذوا يلعبون به قليلًا حتى استسلم هذا الكائن الضعيف لقدره ومات! اكتشف الأطفال أنه لايتحرك فألقوه علي حافة البركة. سمعت صوتًا غريبًا فنظرت لأعلىٰ فوجدت ذلك النسر الذي كان يحوم في القاعة، حسبته تخيلًا، لكنه أصبح جزًا من القصة إنقض هذا النسر علي فريسته الضعيفة وفي لمح البصر التقطها في فمه وحلق بها الي أعلىٰ الي قمة جبل وراء النهر، وفجأة استيقظت علي صوت أساتذتي فوق مسرح القاعة محاولين أن يردوا اليَّ وعيي. جاءت الممرضة تحاول أن تعرف ما بي *أتذكر من أنا؟
– من أنت؟ لا استطيع تذكر شىء.
*حاول! أتذكر حينما مرض صديقك وأتيتُ الىٰ قاعتكم وتحدثنا لبضع دقائق.
وأخذت تتساقط الأسئلة من جميع الحضور من أساتذة وممرضات، ولكنها بلا جدوى.

حقيقًة, في ذلك الوقت فقدت الأمل في النجاح هذا العام ولم يعد يهمني بالمرة, فكيف أحزن علي شيء لا اتذكره أأحزن علي اللاشيء! ربما دخلت هذا المجال رغما عني وأتى هذا ليزيح الحمل بعيدًا عن ناظري، ربما يكون هذا حقا هو الخير؛ أن أسلك مجالًا آخر! أخبرتْ إدارة الكلية عائلتي بهذا الخبر الذي وقع علي قلوبهم كالصاعقة، ذهبت مع الطبيب المختص لإجراء بعض الفحوصات، ولم يجذب انتباهي في هذا الموقف سوى لهفة طالبة علي حافة المقعد الثالث يسار كانت تتابع الموقف بقلب وكأنما أصيبت بصاعق؛ لنسيان قصة حب استمرت أكثر من عامين. لكن عيناها تخبيء أكثر من ذلك تخبيء حب وحنان نُسيا في لمح البصر. أخبرني الطبيب أن هذا الحادث ربما أصاب الفص الأيسر بخلل، لكن هذه الحالة لن تدوم طويلًا وربما تتذكر القليل بعد فتره، لم أهتم لكلام الطبيب كثيرًا لأنني كنت أفكر في الفتاة، أشعر أنه هنالك رابط بيننا، رابط لا يستطيع النسيان نسيانه وبعد انتهاء الفحوصات، أخذت تتساقط علي عقلي ذكرياتنا-أنا والفتاة- ولكنها للأسف لم تُسرد كليًا، تذكرت ليلة الحادث كنا سويًا، نسير على الكورنيش ننظر إلى التعداد الذي يزداد مولودًا كل دقيقة ونصف، أمسكت بيدها لنعبر الشارع؛ لأنها وصلت إلى المنزل -فجأة وبدون وعي مني- ضغطت على يديها بقوة واحتضنتها اليّ ولم أبالي بوجود المارة في الشارع. احمر وجهها خجلًا ونظرت اليَّ وانتظرتها حتى ركبت المصعد وذهبت. جائني إتصال من أحد الأصدقاء يستعجلني للعشاء؛ لأننا نحتفل بشفاء قدم سعد. بينما أسير مسرعًا، لم أنتبه لوجود السيارة القادمة من الخلف. لقد صدمتني السيارة! نعم، أتذكر جيدًا هذا الموقف ولكني شعرت بصُداع في رأسي.
لم أستطع بعد ذلك تذكر عنوان الفتاة ولا حتى اسمها، لم أتذكر سوى ذلك الحضن و احمرار وجهها خجلا. لحظة لا يستطيع النسيان نسيانها، رُسمت في عيني وعلى أي شئ يقع عليه ناظري، لا أريد استرجاع ذاكرتي سوى لنكمل ما بدأناه، وإن لم ترجع لا بأس إذن من الإعادة للتجويد.