ونفسٍ وما سواها (٢)

الناس تسعى جاهدة في النجاة من الموت، ولكنهم لا يحيون!



دائمًا ما احترت في العلاقة بين أفكاري ومشاعري، ومن منهم قد يطغى على الآخر ويظهر أثره في تصرفاتي، وهل من الممكن أن نعتمد على مشاعرنا فقط؟ أم من الأفضل أن نحكم أفكارنا! وقد توصلت لما يرضيني، فنحن لا نستطيع فصلهما، أو لا، هناك من يستطيع، لكن من الأفضل ألَّا نفعل، فمشاعرنا هي التي تضمن إنسانيتنا، هي التي ترفعنا فوق ماديتنا، هي دليل حياتنا بحق وليس ما نراه من بقايا مشاهد الحياة التي تتحرك على الأرض هذه الأيام!
ففي رأيي الناس تسعى جاهدة في النجاة من الموت، ولكنهم لا يحيون، وأفكارنا كما قلت من قبل هي التي تحمينا من أن نُخدع أو أن يزين إلينا القبح، أو أن يأتي أحدهم ويشكك في فطرتنا، فإذا وضعت في مأزق ثم قال لك أحدهم أن الكذب هنا صفة مفيدة لأنها ستنجيك! إن لم تكن صاحب عقيدة قوية فقد تتشكك في أن “الصدق منجاة”.

ومثال آخر من الواقع، في الماضي لم تكن تحتاج إلى جهد بالغ لاقناع أي شخص ببعض التذكرة والكلمات البسيطة أن مضايقة الفتيات في الشوارع أمر منافي للأخلاق والمروءة والشهامة.. إلخ حتى وإن لم تبحث في الموضوع البتة، لكن اليوم إذا ذهبت وتحدثت مع أحدهم تجد أنه يواجهك بأفكار وتساؤلات أخرى “هي السبب! يعني هي جت علي! مهو الأحسن تقعد في بيتها .. إلخ” فإن لم تكن جاهزًا للرد على هذه التساؤلات بمعرفتك – وليس بمجرد حقيقة أن هذا الفعل خطأ – ستقع في المشكلة التي نراها تتكرر كثيرًا أمامنا، وهي أنك بفطرتك سوف تقول أن هذا الفعل خطأ، لكن كونك لا تملك دليل ديني أو فكري أو معرفي سيكون ردك “هو كده…. لازم تسمع الكلام… ” أو سيجن جنونك لأنك تظن أنك تتحدث في أمر بديهي ، ثم تصدم بشخص لا يلقي بالًا لبديهياتك، فقد تتركه وأنت تظن أن العيب كل العيب فيه أو أنك قد تتشكك من تساؤلاته في معتقداتك فتسلك سلوكه!

وتفسير مثل هذا الموقف أن في الماضي كانت الفطرة سليمة نوعًا ما بسبب عدم التعرض لثقافات مختلفة ولا أفكار مختلفة، فكان من السهل أن تقنع أحدهم ببديهيات الفطرة دون معرفة قوية لديك ودون أن يجادلك، لكن اليوم ففطرة الناس قد أصابها العطب لم انفتحوا عليه من ثقافات مختلفة، وبالتالي ظهرت أسئلة وأفكار لم تكن موجودة في الماضي، وإن لم يكن الناصح على معرفة قوية فلن يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة بل وقد يُعدى هو الآخر.

فرجلٌ في الريف لا يحتاج أن يعلم سياسات الحكم واقتصاد الدول وكيفية قيادة الشعوب ولا أن يبحث في علم النفس الاجتماعي ولا في درس التاريخ وتأثير الماضي على الحاضر، فهو يحتاج إلى حقائق بسيطة وأفكار بسيطة جدًا ليكمل حياته ويحقق دوره الذي خلقه الله له، وإن رجلًا سلك طريق العلم لا يحق له أن يستهزأ بهذا الأول، أو أن يلومه أو يتهمه بأنه بدائي لا يفكر!
لكن العيب كل العيب على من يضعه الله في مكان له سلطة وله تأثير على المجتمع، وله دور كبير ولا يعد نفسه لهذا الدور، بل يترك نفسه لأهواءه والظروف!
وهذا سوف يحاسب على جهله لأن الفرصة كانت أمامه والأدوات كانت بيديه لكنه آثر الكسل والراحة!
والأمر ليس بهذه المفارقة بين رجل بسيط ورجل ذو شأن، لكن هذه القاعدة يجب أن يضعها كل منا في ذهنه في كل المواقف التي يمر بها في حياته، وينظر ما الذي يحتاجه ليتعلمه ليكون جاهزًا لمواجهة هذا الموقف!

وليس الحل هنا أن ننعزل عن العالم، أو أن نحمي الشباب من خلال منعهم من خوض التجارب الجديدة ومنعهم من التواصل مع الثقافات المختلفة لكن الحل يكمن في التأسيس الصحيح، الإعداد لمثل هذه المواجهات وليس الهروب منها.

لذلك ما كان هذا الكلام إلّا لأشير أننا سنحاسب على أفعالنا، وأن أفعالنا لها منشأ دفين داخلك، ولا تصدر من تلقاء نفسها، ولذلك فأنت أيضًا ستحاسب على تربيتك لنفسك وتقويمها، وعلى مدى اهتمامك بالسعي أن تنقي قلبك، وأن تغذي عقلك، ونتيجة لذلك ستحسن أفعالك وستحكم شهواتك، وسترتقي بعيدًا عن الحيوانية، كما أنك ستحمي نفسك وأفكارك من كل خبيث، وإنك لن تستطيع أن تأخذ خطوات صحيحة نحو ذلك الهدف إلَّا عندما تدرك وتقتنع أنك ينقصك الكثير، ينقصك التربية السليمة، وينقصك المعرفة الصحيحة، وتعترف أنه علاوةً على أن في إنسانيتك الضعف، فإنك حالة خاصة تحتاج إلى المزيد من الجهد والتعب لتصلح ما مضى، وبعد أن تدرك كل هذا سينقصك المعايير التي ستحدد بها الجميل والقبيح، والمنهج الذي ستتبعه لتصل لما تريد. وحينها اعلم أنك لن تجد سوى نفسك وربك في هذا الطريق، فادع ربك أن يهديك وأن يعينك ويخفف عنك أعباء هذا الطريق.