أهلًا بِقُدومِك يا رمضان!

أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شَهرُالله بالبركةِ والرحمة والمغفرة، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودُعاؤكم فيه مُستجاب



كُنتَ بمَثابةِ النور الوهَّاج يَلْمعُ بضوءٍ خافِتٍ في جوفِ الظُلُمات، ها قد حَدّقَتْ عَينايْ، ودَققَتْ النظر بإمعانٍ في سرابٍ محيط تَرقُب ذاك الضيف الكريم، تنتظر قُدومَه بِفارغِ الصبر وبعدَ طولِ غيابْ، لقد كُنتَ نَجمًا لسماءٍ أَظلّتْ كونًا في ليلةٍ أُحِيطتْ بسوادٍ حالِكْ، يهتدي الناسُ بنورِه للعودة خِلسةً لمنازلهم بعدما زاغت عنهم الأبصارُ وضلوا في سعيهم وحادوا بعيدًا عن الصواب، أنت جَمعٌ للعاشقين في مَلكوتِ ربِ العالمين، يا لهفة المُشرّدين ورادًا للغائبين، أنت كاسٍ للعارين ومُطعِمٌ للجائعين وناصِرُ المظلومين وقاصِمُ المُعتدين، أراكَ استقامةَ المُعوَجّينَ وجَنةُ المُهتدينَ وطَريقُ العارفينْ، يا لَذَّة المطيعين ومأوى الشاردين وفِردوسَ التائبين المُنيبين!

لا أدري إن كانت مُبالغةً غير مقبولةٍ أو افتِراءًا مني في ذلك! ولكنها يا رَفيق، حاجةً في نفْسِ يعقُوبَ قضاها، فلا أذكُر أحداثًا جَللْ أو مواقِف عِظَمْ دَعتني للدهشَةِ أو البهجةِ في عامي هذا بغير لُقياك في العام الماضي، وكأنك كُنتَ البارِحة أراكَ تَلوحُ في الأُفق!
أتدري أن عالمنا أصبح قاسٍ بَشِعْ قد لَفظَ الرحمة من شفتيه حتى طغى وتجبّر وأطاح بمن حوله، لم يرحم صغيرًا ولا شيخًا، قد غطّاه السوادُ من كل الأركان حتى إرتوت الأرضُ وتخضّبت بالدماءِ وتحطّمت المنازِلُ على رؤوسِ ساكِنيها وإمتلأت الأرض بالدمار في كثيرٍ من البُلدانِ العربيّة، قد تقرّحتِ الأجفان واحمَرّتِ العُيونُ مُجهَشَّةً بالبُكاءِ تنتَظِر قُدومك يا كريم، لتشكُوا وتَتضرّعُ بالدُعاءِ إلى اللّهِ تُبدي له ما كان منها!

أهلًا بك يا رمضان، يا أحبُ الشُهورِ إلى اللّه، فيكَ العفو والغُفران والنجاةُ من النيران، فأوّلُ أيامِك رحمة وأوسطها مغفرة وآخِرها عِتقٌ من النيران، أرى فيك الحُشود قد أقبلت على الله بقلوبٍ خاشِعَةٍ تقف على بابه تنتظرُ رحمته، أرى فيك ذُلَّ العابدين وخُشوعَ المُنكسرين في الصلاة والقيام، الزينةُ تملأُ شوارعنا وأسمعُ ضجيج الصبية ليل نهار، أرى الجميع يهللون ويسبحون ويكبرون بطريقة مُبهجةٍ تملأ الأرواح بتأُدةٍ وطمأنينة وتُفيضُ على القُلوبِ بالإيمان!
يا صديقي كلما أردت أن أستفيض أو أستتزيد في مدح ذلك الجمال المُذهل من روحانيات ونَفَحات، وجدتُ لساني يتلعثم وقلمي يتوقف معلنًا تبعثر أفكاري وعجزي التام عن الحديث أو الكلام!

” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ” (الآية: 185- السورة: البقرة)
فقد فُرضَ فيه الصيام ونَزلَ فيه القرآن على قلب النبيِّ مُحَمّدْ « ﷺ » في ليلة القدر، وهي ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر تتنزل فيها الملائكة وجبريلُ «عليه السلام» على أهل الأرض وتتميزُ بأن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها، أو حمراء، أو أن ليلتها تكون معتدلة ليست باردة ولا حارة، ومن اجتهد في القيام والطاعة وصادف تلك الليلة نال من بركاتها فضل ثواب العبادة لتلك الليلة، ونلتمسها في الليالِ الوِتر في العَشْرِ الأواخِرِ من رمضان، وقد قال رسول الله في فَضْلِها :”من قامَ ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه” رواه البخاريّ.
كما أنه من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه!

(أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شَهرُالله بالبركةِ والرحمة والمغفرة، شَهرٌ هو عِند الله أفضل الشهور،وأيامه أفضلُ الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، دُعيتم فيه إلى ضيافة الله،وجُعلتم فيه من أهل الكرامة، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول،
ودُعاؤكم فيه مُستجاب، فأسألوا اللهَ رَبَّكم بنياتٍ صادقة وقٌلوبٍ طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشَقيَّ من حُرِمَ غُفرانَ اللهِ في هذا الشهرالعظيم )
وإنَّ في شَهرِكُم هذا لنفحات ألا تتعرَّضوا لها، ومن الفضائل أيضًا في رمضان أنه لخَلوفِ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عند الله من ريح المِسكْ، وأن الملائكةَ تستغفرُ للصائمين حتى يفطروا، وفيه تُصفَّدُ الشياطين وتُفتَّحُ أبوابُ الجنةِ وتُغَلَّقُ أبوابُ النار فلا يُفتَحُ منها باب!

أخيرًا يا صديقي وبعد أن سَردتُ لك من الفضائِل لهذا الشهرِ بعضَها، عليك أن تعلَم جيدًا أنَّه فُرصةٌ لك قد لا تتكرر، فرصةٌ لطريق النجاة والإقبال على الله والمُثولِ بين يديه والتضرع له والمداومة على القيام والقرآن، وتذكَّر جيدًا أنَّ لديك نفسًا أمَّارةً بالسُوء وهَوى لا زالا مُرافِقينِ لك، لا تَدعْ لهما مَجالًا بأن يُلهيانِكَ عن العِبادات بالنوم أو المُثولِ أمام الشاشات، فالشهرُ كما وصفه البعضُ كقاطرةٍ إلى الجَنّةِ يَمُر على محطاتٍ فلتَختَرْ لنفسِك أيُّها تنزل أو أنك تصمُدُ فيها للنهايةِ حتى تصل للجنَّة، فقد خَابَ وخَسِرْ، خاب وخسر، خاب وخسر من أَدْركَ رمضان ولم يُغْفَرله، اللهم بلغنا رمضان وارزُقنا فيه العفو والغُفران ومن اليقين ما تُبَلِغُنا بِه جَنَّتك!