ومن الحرب ماصمد

بمراسم الجنازة، واقفةٌ هي بكل قوة، خالٍ وجهها من كل تعبير ويغطيها البرود من كل جانب، تتلقف الرياح شعرها الداكن وتنثره على وجهها، لكنها باهتة..



كقبلة “الدمنتور” في “هاري بوتر”، سُحِبَ الأخضر من كل غصنٍ وشجرٍ دبَّت بهِ روح الرب، وذهب رويدًا إلى مستنقعاتٍ راكدة، فأشبعها، وأصبحت ما نرى من مياهٍ خضراء، وطار ماتبقى منه في الهواء، يُخلط بترابٍ تارة وبعوادم تارة، فيتحول للرماديّ الكئيب، ليستقر على وجوه المارَّة، ويركَّز على من أنهكهم شبه العمل، في مِهن مستهلكَة الصحة والجمال، وقليلة -بل معدومة- العائد.
لا، لم ننتهِ هنا، فهناك من الأخضر بقية. سار هائمًا بُغية العودةِ للوطن، ولشدة تشوشه اصطدم بعمود، لم يعِر اهتمامًا، ولم يتعلم فصدم بآخر، منتجًا كدمات زرقاء، مقابِلًا بأخرى، لكنها تلك المرة قطرات، فارتأى البقاء، وتغزَّل، وآثر حلاوة اللقاء، منتِجًا أعمدةً مكسوةً بالصدأ، فانضموا للمستنقعات، وأمسوا خرابا.

لكن، ما الذي هناك؟ خافتٌ هو وباعث بكل تلك البهجةِ وكأنه الفيضان، بل كأنه الأمواج؛ محطمٌ كل القواعد والخراب ولا يزال مقاومًا وبقوة!
لقد ظهر، ظهر أحمرًا في أوجِ قوته، عظيمًا، مهيب الطلة، فيه من الصرامة ملوكِ القِدَم، وكل ما اجتمع من طاقة الكون، يبعثها أينما وحيثما، وكيفما شاء. ذهب متبخترًا في مشيته، مزهوًا بحسنه، لكن مالبث أن سمع المنادِ، حاول استجماع قواه، قاوم، حاول بكل ضراوة، لكن حدث ماحدث، وسقط مستسلمًا للضعفِ، والخجلِ، والشغف، فالمنادي لم يكن سوى أبيضًا.
ناداه بكل صدق ليجتمعا، وليفهما بعد شوقٍ ووصال، فيرحب العالم بنتاج صبابتهما، ليرحب العالم بالورديّ!

طفلٌ صغير هو كمثل أقرانه، به من البراءة والطيبة مما برح بالغين أرهقتهم المسيرة، وسلبَتهم مابقِيَ من جمال وقوة، خاضعين بهيئة القناعة، رُحِّب بالوردي من عالمٍ فاسد، عَفِن، لكن ذكاءه منعه من الانخراط، وماورثه عن أبيه أصمده، وشعر بأن ثمة شيء خاطىء يحدث، آمن بالتغيير، وراح بعزم مُجِدٍّ يفكر في السبيل، وأول أفعاله كان النُصح، ثم الثوران، فالتمرد.
تمرَد على كل وأي شيء، لكن العَفَن كان أكبر وأقوى، وأخبث، فبدأ بانتشال اجزاءه، جزئًا تلو الآخر، حتى انتهى، فودَّع وغادر.

بمراسم الجنازة، واقفةٌ هي بكل قوة، خالٍ وجهها من كل تعبير ويغطيها البرود من كل جانب، تتلقف الرياح شعرها الداكن وتنثره على وجهها، لكنها باهتة، خاليةً من كل لون رغم أنها أم الألوان؛ لكن ما حدث لوالدها مع الزُرقة، وما فعله العالم بصغيرها، شلَّ عقلها عن كل حزنٍ وطُلِيَ كل ماحولها بالانتقام، وكان طلاءً لا يُمحى، توارثه أبنائها وأبنائهم وبات صامدًا لأجيال في حربٍ قائمة حتى يومنا هذا، ولكن أيضًا مازلنا الأطراف الخاسرة.