الثائر المُهجر

في ذكرى ميلادك ، ستخلَّد فينا بسطورك و سينمحي ذكر من قتلوك.



هو منّا. قد تكون التقيته أديباً عظيماً، و قد تكون التقيته ثائراً شجاعاً، معلماً حنوناً لأطفال المخيم الصغار – يافعي الجمال و الهمم – ، أو ربما صديقاً مخلصاً ، أو أنك التقيته عاشقاً ذاع صيت عشقه و أشواقه.

ربما رأيته في طريقه و هو عائد إلى حيفا قاطعاً الصحراء و مهملاً كل المخاطر لا يهمه سوى أن يعود . أم تراني رأيته يحادث أم السعد يواسيها و تواسيه يبثها شكواه من ضياع الأرض و فقد الأحبة و التيه، أو يحدثها بخططه الثورية فتشجعه و توقظ ضميره ” يا ولدي فش حدا بينام بيصحي بيلاقي وطن بيستناه “. ترى هل رأيته واحداً من رجال الشمس و بنادقهم و صمودهم في وجه طغيان صهيوني لعين، أم بين برتقاله الحزين الذي ينتظر عودته؟
أنا وجدته في كل هذا. وجدته ثائراً، مقاوماً، بطلاً، و شهيداً.
لن أطيل عليك عزيزي فنحن في حضرة الشهيد غسان كنفاني . لا أدري لما يرتبط اسم غسان في ذهني بكل ما هو فلسطيني. غسان كاسمه فيه منه حدة الشباب و النشاط و الإقدام، هو ابن هذا الشهر ابن الثامن من نيسان “ابريل”، ابن عكا الفلسطينية قبل أن تجبرهم الحرب على الرحيل و تكتب عليهم حياة اللاجئين .
في المخيم، علّم غسان الأطفال ما تعلّمه و حرمتهم الظروف من أن ينالوه، علّمهم و ثقفهم و أودعهم أنهم هم الأرض ما بقوا واعين لذلك، أن لا حق يضيع ما دام وراءه مطالب، أن فلسطين أم ولا أحد يترك أمه للضياع.
كأي فلسطيني كتب عليه الشتات رحل غسان إلى الكويت بحثاً عن الرزق و ما تستمر به الحياة ثم عاد إلى لبنان أرض لجوءه الأول.
في بيروت ابتدأ حياة الأدب و الصحافة و حمل قلمه و حمّله هم القضية و اشتغل في مجلة الحرية الناطقة باسم حركة القوميين العرب التي هو عضو فيها، حمل القضية دوماً و كانت همه الشاغل و أصدر ملحق فلسطين عن جريدة المحرر اللبنانية.
كتب الأدب القصصي، تحديداً القصة القصيرة و التي كان محورها فلسطين ؛ أهلها و أرضها و حتي الزيتون و البرتقال فيها.
” لا تمت قبل أن تكون نداً ” ” لك شىءٌ في هذا العالم فقم ” و غيرها الكثير من مأثوراته قولاً الحقيقية في حياته، عاش نداً و حمل قلمه و فكره سلاحاً في وجه الاحتلال، و أرّقهم و نال منهم و جمع الكثيرين حوله.
و في صباح الثامن من تموز ” يوليو” استيقظت بيروت و شوارعها على صوت ست انفجارت اغتالوا بها جسد الشهيد و ابنة أخته، ظانين أنهم بذلك قد اغتالوا الحرف و الصدق، غير واعين أنه باقٍ بأفكاره و كلماته، باقٍ بصدقه و حبه لوطنه، و أن هناك آلاف من غسان يحملون نفس الوجع و نفس القضية.
لأجلك يا مدينة الصلاة كان مستعدًا أن يضحي بروحه و أن يعود البقية – وسيعودون يوماً – ، لأجلك علمنا أن البقاء و الأثر ليس لطول الأجل، و أن حياة ابن السادسة و الثلاثين كافية لأن تظل فينا لأكثر من أربعين عاماً، علّمنا أن الكلمات تُعجِز و تزعج، ألا نكف عن المطالبة بالحقوق، ألا نستسلم، أنّا يوماً سنعود.
في ذكرى ميلادك ، ستخلَّد فينا بسطورك و سينمحي ذكر من قتلوك.