عشاء في المشفى

وكانت أعيننا تتبادل النظرات واحدة تلو الأخرى إلى تلك الحقائب ونفكر، ماذا حمل لنا سعد هذه الليلة؟



مثل غيره من الأيام، بدأت المعاناة من جديد لكن هذه المرة لم تستمر طويلًا، “ماذا سنأكل”؟ هذه أكبر معاناة تواجهنا في ميدان الغربة، منذ أن تركت المنزل و اتجهت إلى طريق الدراسة الجامعية، كانت الدراسة بالنسبة لي أمراً ترفيهيًا، كانت تقابلني بعض الصعوبات ولكنها تزول، ولم يتبقى أمامي سوى مشكلة واحدة متجددة كلما أحاول حلها تتكاثر يومًا بعد يوم، تذكرني بنجم البحر الذي يتكاثر بالتجدد.
لكن اليوم أنقذنا أحد الأصدقاء من حيرة الاختيار، قابلنا صديقنا سعد الذي كان في ذلك اليوم مُحملًا بأكثر مما يستطيع حمله من الحقائب، كانوا يزيدون عن أربعة، بمجرد رؤيته أقبلنا عليه وقبلناه وأخذناه بالأحضان من شدة الاشتياق، وكانت أعيننا تتبادل النظرات واحدة تلو الأخرى إلى تلك الحقائب ونفكر، ماذا حمل لنا سعد هذه الليلة؟ بالطبع علم سعد نوايانا من تقبيله بحميمية!
وكعادته نَسِيَ جواربه في إحدى الحقائب من الفصل الدراسي الأول الذي فاح رائحته في المكان بأكمله، وحتى لا نثير غضبه لم نستطع أن نواجهه بهذه الرائحة.
وها قد حان وقت العشاء، أخرج لنا سعد من الحقائب التي تفوح إحداها برائحة الجوارب النتنة (حلة مكرونة و أخرى مملوءة بالبطاطس المغموسة بقطع من الفراخ المتفحم، من الواضح أن أم سعد تركت الفراخ أكثر من اللازم) وثلاثة أوعية أخرى من الحُلو رفض سعد أن نعرف ما بهم قبل تناول الطعام، الكل مترقب ماذا يوجد بهذه الأوعية.
بعد قرابة نصف الساعة من تحديد الأدوار، أصروا علي ذهابي أنا وأحدهم إلى المطبخ بينما يذهب البعض الآخر لشراء ما تبقى للعشاء، أنهينا تسخين الطعام وذهبنا إلى الغرفة ننتظر البقية إلى أن يأتوا من الخارج. حينها بحثت عن مكان الحلو، واكتشفنا في النهاية أنه أرز باللبن يعلوه بعض الأشياء السوداء ربما تكون”سوس” أو بعض الحصوات، وبالطبع لم نستطع إخبارهم حتى لا ينزعج سعد.
طال وقت الانتظار، ولم تحتمل بطني أن تصبر أكثر من هذا والطعام أمام عينيَ رغم أنه لم يكن شهي لهذه الدرجة ولكنه أفضل الموجود!
اتصلت بجمال ـ بطل الجامعة في الملاكمة لهذا العام ـ، أخبرني أنهم بالمشفى! لقد صدمت سعد سيارة مسرعة و كُسرت ساقه، في الواقع كنت مترددًا، آكل أولاً أم أذهب إليهم؟ تناولت بعض قطع البطاطس وأخذت بعض حبات الأرز في فمي مسرعًا، ثم أخبرت صديقنا أن ينتظر هنا؛ فربما نحتاج شيئا ما من ملبس أو ما شابه ذلك.
وصلت إلى المشفى مصدومًا مما حدث.
ـ سعد خلي بالك يا حج متخضناش عليك تاني كده! لكنه لم يستطع الرد عليَ كأنما الألم أصاب لسانه بالشلل.
بدأ الألم يقل رويدًا رويدًا بعد أن أخذ حقنة المسكن وتم تجبيس ساقه وأوصى الطبيب بعدم الحركة لمدة يومين، جلسنا معه هذه الليلة، شَعَرنا جميعا بالبرد والجوع، اتصل جمال بصديقنا الذي في الغرفة وأحضر بعض الملابس الثقيلة في إحدى حقائب سعد وأحضر معه الطعام إلى المشفى. كانت أُمسية مُفعمة بالضحك رغم الصدمة والألم اللذان واجهناهما في هذا الحادث، لكن تواجدنا معًا غطى على جانب الألم والحزن. أخذنا نضحك على ما فعله حسين حينما كان يحاول إيقاف سيارة وهو يلوح بيديه في نصف الطريق كالمجنون، كان يومًا جميلًا وعشاءً رائعًا في مكان غير اعتيادي، على رائحة المُعقمات والمطهرات الطبية.
إن واجهك موقف كئيب حاول أن تبحث عن الجانب المضحك به، واجعله يضفي على حياتك نوره؛ فمهما حدث لك في الحياة لايستحق أن تضيع وقتك حزنًا عليه، بل تعلم منه وذكر نفسك بجوانبه المبهجة، وإن لم تجدها على السطح فابحث عنها في القاع فحتمًا ستجدها في مكان ما!