كريتيريا علمنة الشعوب .. إلى أين ؟

" شعبنا شعب متدينٌ بالفطرة "



” شعبنا شعب متدينٌ بالفطرة ” هي عبارة يعلمها القاصي والداني في بلادنا، رددها الأسلاف والأجداد من ذي قبل حتى تأصَّلت عندنا في العقل الباطنيِّ، وأصبحت من صفات المواطن العربيِّ لكل مستشرقٍ أراد التعرف على ثقافتنا – نحنُ العرب – ؛ بل ولك أن تزيد على ذلك أننا شعبٌ طيب الأعراق يتميزُ بالبساطة وقلة الحيلة، يمتلكُ قوةً عظيمة تفتقر التوجيه وتحتاج إلى الترويض!

فكانت رابطة الدين في شعوبنا أقوى من أن يعبث بها الجُهَّالُ أو أن يتآمر عليها أصحابُ الحيَل، وكان من المُحال أن نرى من يتطاولُ على الشريعة الإسلامية
– ليس فحسبْ – بل على الذات الإلهية نفسها – تنزهت وتقدَّست وتعالت وجَلَّ شأنُها – من كل ممن يدَّعُون التحرر والإنفتاح ممن يُطلق عليهم ” المفكرون الإسلاميون ” أو ” الباحثون في الشؤون الإسلامية ”

كُنت أرى الرجُلَ العربىَّ من العامة ممن لا يمتُ للإسلام بصلةٍ من قريبٍ أو بعيد يرتكب أبشعَ الجرائم من سُبابٍ وإيذاء! لكنه إذا خُدِش الإسلام أمام عينيه ولو بكلمةٍ طائشةٍ أصابت أُذنيه، تراه قد جُنَّ جُنونَه، لا يهدأ له بالًا إلا وقد رد هذا الأذى ولو كان على جَهلْ!

كان الأمرُ أشبهَ بالأفيون المخدر الذي تمزجه بالقهوة المفضَلة – عند الجميع – داخِل كأسٍ يتجرعه العامةُ من البشر – العرب – حتى أدمنوه تمامًا، وأصبحوا من أشد أتباع تلك القهوة بظنٍ منهم أنها طريقُ النجاةِ والصلاح لهم، إنها القهوة التي تجرعها أجدادهم من قبل وهو حيز الأمان عندهم في العقل الباطنيّ دون درايةٍ منهم بالمادة المخدرة التي أفسدتها تمامًا؛ وتوفرت جميع الظروف والمقومات حيال ذلك من تجريد الإسلام من شمولية الحياة إلى القوقعة والاختزال في حيزٍ مُغلقٍ جاف ينزوي في ركنٍ من العبادات، وجعله رمزًا للرجعية والانحدار – بفهمٍ خاطئ – عند المسلمين قبل غيرهم من العوام .

امتزج ذلك بضعفٍ من الخطاب الديني أمام عاصفة شديدة من التكنولوجيا والإنفتاح على الثقافة الغربية وظهور وسائل التواصل الإجتماعيّ بما لا يفي بمتطلبات الشباب، فكان من السهل تمامًا أن ينتشر الفكر العلماني وأن يتغلغل بحذافيره في المجتمع العربيّ وتسويقه للجماهير بطريقة جيدةٍ تفي برغبات المشاهد بكل أنواع السوشيال ميديا والشاشات؛ بإستغلال عاطفة الدين يدسون إليك السموم في جوف الكلمات ممتزجة بموجة عارمة من السخرية والإستهزاء من أساسيات العقيدة! فتتحول بذلك تدريجيًا يا صديقي إلى رجلٍ يحمل العلمانية بحذافيرها ساخطٌ على مبادئ الدين، لا تحمل منه إلا نسبًا في بطاقتك الشخصية!

” ايه دخل الله بالسياسة؟ ” جملة قالها أحدهم على شاشات التلفاز منذ بضع سنوات، ” ممكن أغير ديانتي من أجل الحب، فالكثير من قصص الحب تحتاج أن يغير الإنسان ديانته من أجلها ” وأخرى قالتها سيدة معبرة عن تجربتها الشخصية، كما أضافت ” الحجاب ليس هداية من الله بقدر ماهو عدوی! ” كما وصل الأمر عند بعضهم إلى التشكيك في صحة البخاري ومسلم والدعوة لحرقهم، والذين أجمع العُلماء بأنهما أصَحُّ الكتب بعد كتاب الله؛ وتطرق أيضًا إلى التشكيك في الذاتِ الإلهية بقوله ” ربنا ملهوش دعوة باللي بنعمله في نفسينا، وربنا مكنش يعرف إن الناس تقف في وقت معين وتقول مش حنفهم أكتر من كدة، حتى لو هو عالم الغيب فاللي بيحصل دلوقتي غير إرادة الله! ” …… إلخ تزامنًا مع ظهور ما يُسمى « بتجديد الخطاب الديني » وانتشار مصطلحات في الآونة الأخيرة وبقوة ك « الإسلام أفيون الشعوب » وأيضًا ما يسمى ب « الإسلاموفوبيا » .

وبعد أن رصدت لك يا صديقي زاويةً من السموم التي تُبَث يوميًا في شاشات التلفاز وعلى مواقع التواصل الإجتماعي، بالإضافة إلى إنحطاط تام للقيم وإنتشار العُهر وتدني المستوى الثقافي العام للوطن العربي، أستطيع أن أسوق لك السبب في ذلك، ألا وهو أننا نمتلك إيمانًا راكدًا مجوفًا لا نُسقِطه على حياتنا اليومية بأي حال من الأحوال، حتى من كان منا تقيًا ورعًا تراه يُفني عمره في التنقيب عن الفرعيات التي لا تنفع ولا تضر ويتجاهل إسقاط الدين على الحياة الإجتماعية! وكأنَّ قصص الأنبياء والصحابة الأجلاء وُضِعت بين أيدينا لتكون أساطير نقُصها على صغارنا قبل النوم، أو أن التراث الإسلاميّ هو عندنا كالألواح المقدسة نمجِدُها ونتلوا بطولاتها، كلما أزعجتنا الآلام هرعنا إليها؛ وليس ذلك من الإسلام في شئ .

يكفيني دليلًا أن أسرد إليك قوله تعالى : ” قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) وهو ما يدل على أن الإسلام نظام للحياة شاملٌ متكامل الأركان، ينظم علاقة الأفراد ببعضهم ويضع ضوابط لمُجريات الحياة، لم يترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وتحدث عنه بإستفاضة، فلا يجوز بأية حال أن نفصل الدين عن حياتنا الإجتماعية!

إنهم يبثون إليك خُفيةً أن الإسلام يأمرك بأن تنعزل تمامًا عما حولك لتؤدي العبادات والصلوات وألا تختلط بالمجتمع حولك لكي لا تتلوث بالآثام، من هنا كانت الرجعية، لكن في الحقيقة أُخبِرُك بأن الإسلام ترك لك مساحة شاسعة للتفكر والرقيّ وطلب العلم والإطلاع على الثقافات بدون قيود، كل مراده منك هو ثورة أخلاقية تضع عُنوانًا للطُهر والعفاف كي ينصلح حالُ الأمم وتصعد من الهاوية، والتي سقطنا فيها لما تخلينا!

أخيرًا يا صديقي قد ترى أن حديثي عن الإسلام والأخلاق ضد العلمنة من البديهيات أو أن الأمر أبسط بكثير، لكن الواقع يُخبرنا للأسف أن تلك التي أسميتها ب « البديهيات » هي واقعنا المرير، نشهده أمام أعيننا حتى أيقَنَّا أننا بحاجةٍ ماسة إلى ثورة فكرية وأخلاقية شاملة جذرية، تزيل الكواهل عن العقول وتغسل القلوب من السموم، لا أعطيك حلًا بل أفتح لك بابًا يُقيمُ عليك الحُجة في الدنيا وأترك لك التنقيب عن الحقيقة بنفسك!