معاناة فئراني

هل الحيواناتُ بلا عقول؟ حقًا؟!



هل الحيواناتُ بلا عقول؟ حقًا؟!

لكن حسنًا، وإن كان، فهل يعطينا ذلكَ، الحق في إجراءِ التجاربِ عليها لمجرد عدم فهمنا صوتها واستغاثتها؟ وإيقاننا بأنها بلا عَقل؟

أفإن أُعطِينا القدرة على تغيير حياتنا -تغييرًا مَحسوسًا- منذ بدايةِ البشرية، وعلى النقيض لم نرَ أو نشعر بأي تغيير من الحيوانات؛ فنجعلها كالدمى بين أصابعنا؟ نحكم عليها باللاعقلانية ونُجري عليها ما شئنا من تجارب؟

كثيرٌ من تلك الأسئلة إن لم تكن كلها، تدور ببال أي شخص سويّ قد فكر بالحيوانات وبحياتها من قبل. لكن قبلَ أن أبدأ بالحديثِ فدعونا نتفق على شيئَين، أولهما، هي فكرة اللغة من عدمِها، فالحيواناتُ تتكلم وتُفهم من أبناء جنسها، وغالبًا ما يروننا نحن الغرباء! ويسمعونَ لغتنا بصوتٍ ولحنٍ واحد (كسماعنا مواء الهرة، نباح الكلب، زئير الأسد… إلخ).

وقد جاء الإسلام مؤكدًا على ذلك في قوله تعالى: }وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ {(النمل: 16), وجاء التفسير هنا، أن حقيقة النطق هو الصوت المشتمل على حروف تدل على معانٍ، إذًا فهي تتكلم. والشيء الآخر المهم أنها كائنات واعية، بناءة، منظمة، وإن استفضنا في شيء واحدٍ منهم فلن نحتاجُ إلى مقالٍ، بل إلى مجلدات وكتب.

إذَا فأين المشكلة؟ المشكلة هنا في ما يُجرى عليها من تجارب نفسية أو جسدية، وحديثي هنا بعيد كل البعد عن أي منظماتٍ حقوقية، لكن قد وُجد تفاوت كبير في الآراء بين مؤيدٍ ومعارض، فوجب علينا النظر فيه. فقد اعتقد المعارضون أن قدرة احتمال الحيوانات للألم والمعاناة توجب الإنسان أن يمتنع عن إيذائها عمداً، واعتبروا تلك التجارب عمل لا أخلاقي، قاسٍ، يجب إيقافه حالًا.

واستثنوا من ذلك البحوث الطبية على الحيوانات التي تستهدف – أولا – مساعدة الحيوانات الخاضعة لها، فيجب أن تكون التجربة في صالح حياة الحيوان، أو لمرض منتشر بينهم ، وإلا فلا. وقد قام المعارضون بتوضيح وجهة نظرهم من الناحية العلمية، بأن هناك عيوبًا في عدة أشكال من هذه التجارب، وخصوصًا تلك المستخدمة في إنتاج أدوية البشر، فبما أن للحيوان أجهزة بيولوجية معقدة، تضم أجهزة ثانوية مختلفة تتفاعل معًا، فإن ذلك الاختلاف يؤدي حتمًا إلى اختلافات واضحة في ردود الفعل تجاه الأدوية.

أما معظم الباحثين فقد أيدوا تلك التجارب قائلين أن التوقف عنها بشكل تام يعتبر سذاجة، وبالتأكيد هناك بدائل لكن التجارب أمرٌ شائع ولا يمكن الاستغناء عنه ، فعلى سبيل المثال : زعم الممارسون لتلك المهنة بالجمعية الملكية البريطانية، أن تقريبًا كل إنجاز طبي في القرن العشرين، اعتمد على استخدام الحيوانات بطريقة ما، وأن حتى أجهزة الكمبيوتر المتطورة غير قادرة على صياغة التفاعل، بين الأنسجة والكائنات الحية، والبيئة، مما يجعل من الضروري إجراؤها.

ومن أهم الأشياء التي يجب النظر فيها عند التحدث عن التجارب، ما جاء في بنود اللجنة الدائمة لأخلاقيات البحث العلمي بجامعة الملك فيصل، فقد أكدوا أن الأفضل هو إجراء التجارب المعملية خارج جسم الكائن الحي؛ لتجنب أي نتائج مأساوية، ولكن إن لزم إجراؤها على الحيوان، فإن الهدف الرئيسي منها هو الحصول على معلومات موثوقة، ذات كفاءة عالية، لا يمكن تحقيقها بأية بدائل أخرى.

ويجب أولًا على الباحث أن يكون هو نفسه متدربًا ومؤهلًا للتعامل مع الحيوان، ويجب عليه مراعاة استخدام أقل عدد ممكن من الحيوانات ، مع التشديد على المحافظة عليها والاعتراف بحساسيتها للألم، والتأكد من سلامتها الصحية -تحت إشراف طبيب بيطري مختص أثناء إجراء التجربة وبعدها-. وأي حالة يثبت فيها تعرض الحيوان للتهديد يتم إيقاف التجربة فورًا، بالإضافة إلى أن أي حيوان تم استخدامه مسبقًا, لا تتم التجربة عليه مرة أخرى، إلا ما استُخدم استخدامًا طفيفًا. ومما قاموا بتأكيده أنه لا يجوز أبدًا عمل أي تحوير وراثي للحيوانات ، وعدم إجراء التجارب على الحيوانات المهددة بالانقراض؛ إلا في حالة إكثار تناسلها.

أهم ما تم ذكره في كل تلك البنود، أنه في الحالة التي يصبح فيها الحيوان غير قادر على الحياة، بسبب آلام شديدة لا يمكن إيقافها، أو فقدانه لبعض أعضائه الحيوية أو غير ذلك، فيجب قتله بطريقة رحيمة، يتم فيها تخديره تخديراً كاملا، من أجل وضع حدٍ لمعاناته.

لكن مع تقدم العالم وتطوره التكنولوجي الآن، ظهرت العديد من البدائل التي قد تغنينا –مؤقتًا- عن استخدام الحيوانات، ومن أهمها زراعة الخلايا، فتؤخذ خلايا من الإنسان أو الحيوان ويتم زرعها في المختبر، فينمو ذلك النسيج وكأنه في الجسم، ويقومون بالتجربة عليه مباشرة دون التعرض لأي حيوان، ونرى في المحاكاة على الكمبيوتر مثالًا آخر، فغالبًا ما يتم استخدام المحاكاة الرقمية لمعرفة التأثير بعيد المدى للمواد السامة على جسم الإنسان، ونرى تأثير التكنولوجيا مرة أخرى في الرقائق الحيوية التي استطاع الباحثون الألمان تطويرها, وهي رقائق يحاكي بها الباحثون رد فعل الجسم على المادة الفعالة المستخدمة في الدواء ومعرفة تأثيرها على الأنسجة مباشرة. وأهم مميزاتها تسريع الحصول على النتيجة و زيادة فعاليتها، و تخفيض عدد الحيوانات المستخدمة بنسبة تم تقديرها إلى حوالي 30%.

ورغم هذا كله، فقد مر على الحيوانات عدة تجارب قاسية من علماء وأطباء نفسيين لتحقيق رغبة أنانية في أنفسهم، لم يعاني منها سوى الحيوانات، كان منها ما حدث لمجموعة من القردة والفئران، دُرِّبَوا على حقن أنفسهم بمجموعة متنوعة من المُخدِّرات التي تشمل المورفين والكحول والكودين والكوكايين والأمفيتامين، وبمجرَّد أن أصبحت الحيوانات قادرة على الحقن الذاتي، تُرِكوا وحدهم مع أدواتهم، وإمداد كبير من كل مُخدِّر! اضطربت الحيوانات كالمُتوقَّع, لدرجة أنَّ بعضهم حاول الهروب بشدة، وانكسرَت أذرعهم خلال المحاولة. عانت القرود التي تتعاطى الكوكايين من تشنُّجات، وقطعوا أصابعهم في بعض الحالات (من الممكن أن يكون ذلك نتيجةً للهلاوس)، وقطع أحد القرود التي تتعاطى الأمفيتامين كل الفراء الذي يُغطِّي ذراعه وبطنه. أمَّا في حالة اجتماع الكوكايين والمورفين كانت تقع الوفاة خلال أسبوعين.

أما التجربة الأخرى، فقد أجراها عالِما النفس مارك سيليجمان وستيف ماير عام 1965، ارتدت فيها ثلاث مجموعات من الكلاب أحزمةً، أُطلِقَت المجموعة الأولى بعد فترةٍ مُحدَّدة، دون التعرُّض لأذى. وجُمِع كلاب المجموعة الثانية في ثنائيَّات ولُجِّموا سويًّا، وتعرَّض واحدٌ من كل ثنائي لصدمات كهربائية يمكن وقفها عبر الضغط على رافعة.

أمَّا كلاب المجموعة الثالثة، فجُمِعوا كذلك في ثنائيَّات ولُجِّموا، وتلقَّى واحدٌ من كل ثنائي صدمات كهربائية ولكن الصدمات لم تتوقَّف عند الضغط على الرافعة. كانت الصدمات عشوائية وبدت حتمية ولا مجال لتوقفها، ممَّا تسبَّب في «العجز المُكتسَب»، إذ افترض الكلاب أنَّه ليس هناك ما يمكن فعله لوقف الصدمات فاستسلموا. وقاموا بوضعهم لاحقًا في صندوقٍ وحدهم، ثم تعرَّضوا لصدمات ثانيةً، ولكن كان بإمكانهم وقفها بسهولة بالقفز خارج الصندوق، لكن ببساطة، «استسلمت» هذه الكلاب! وبدا عليهم ثانيةً العجز المُكتسَب.

لكن الآن، هل يمكننا الإيمان بمشروعية وجواز تلك التجارب مع المحافظة على سلامة الحيوان العقلية والنفسية والجسدية؟ أم يجب رفضها رفضًا قاطعًا مؤمّنًين له حق تصرفه الكامل بحياته، وعدم تدخلنا بها أدنى تدخل حتى وإن كان لمصلحتنا؟
هل البشر أنانيون حقًا؟! لا أدري، لكن ربما نتحدث عن هذا لاحقًا..