صوفيتُنا الكامنة

هو بطل الرواية ومحور الحدث، وأيضاً مركز الدوران. من هذا المغوار!



يلتف الناس حوله دائماً، يقفون منبهرين بما يفعل، وبما يرون أمامهم.
يصعد محلقاً بعيداً عن يابستنا لعالمه الخاص والفريد، القريب من النجوم المضيئة، أعلى هذا الزحام.
هو بطل الرواية ومحور الحدث، وأيضاً مركز الدوران. من هذا المغوار!
“رجل التنورة”
نعم هو بطل كل الحدث، يعيش في دنياه المنعزلة عن كل إزعاج محيط، لا يلتفت لمن حوله، أصحاب الأعين اللامعة من الذهول، يعلم ما يدور في هذه الأذهان من تساؤلات عن كيف يحدث هذا؟ لماذا لا يتعب؟ لماذا لا يشعر بالدوار؟ يعلم نظرات العشق التي تخترق الواقفين، قادمة من عاشقي الصوفية الجميلة.
في حلقة ذكر، في مشهد من المشاهد التي تتميز بها قاهرة المعز، بلد الألف مئذنة، يركض الصغار في دوائر مغلقة، مستمتعين بطرب وعذوبة الأصوات الصادرة من المصطفين في دوائر أكبر، مهللين إلى السماء، لعلها “ساعة استجابة” على لسان أحد المسرعين للانضمام لهذه الدوائر.
يقف رجل متجمد من المشهد، لا يستطيع أن ينضم ولا أن يمنع نفسه من الوقوف، لماذا!
لأنه لا يعرف ماهي الصوفية الشعبية! لم يجرب الإحساس، لم ير هذا المشهد أمامه من قبل.
يغمض عينيه، يجد نفسه يهز رأسه، ويقف في إحدى الدوائر، ما الذي أتى به إلى هنا؟ لم يستطع أن يقاوم السحر النابع من حناجر تنادي اسمًا من أسماء الله عز وجل.
شئ يدور بانتظام وثبات رائع، على يد رجل، يدور بنفس مقدار القوة، وسط ساحة واسعة تملؤها مجموعات كبيرة من الناس، خلفه شخصان، الأول منشدٌ عذبُ الصوت. والثاني مايسترو الإيقاع الخاص بعرض الليلة.
إذا تركت نفسك لتغرق في الإيقاع، ستشعر أن الرجل لا يحرك هذا الشئ فوق يده، بل إن هذا الشئ هو الذي يدور بتوازن وتناغم مع الإيقاع. أما إذا انتبهت مع حركة بطل هذا الحدث، ستشعر أنه هو الذي يدور بسلاسة شديدة تحت هذا الشئ الدائري.
بعد فترة من تداخل الأصوات المنادية بسم من أسماء الله، يبدأ السحر في الانتشار على هذه البقعة من الأرض.
ماذا يحدث؟ إلى أين يأخذني هؤلاء الناس! أقف عاجزاً عن وصف روعة المشهد حقاً.
“كلنا دراويش في أرض الله” تعلو هذه الجملة من أحد الحضور، لكن لا تميز إلا صوته، لخروجه عن النص، يبدأ العدد في التزايد، يبدأ رجل بتحريك الباقين ببطء، لتصبح كل دائرة كالترس في آلة كبيرة الحجم.
ولكن كيف ترى هذه النجوم الجميلة المشهد من أعلى؟ حقاً، لا تخبرني أن هذه التروس بطيئة الحركة، تتحرك بديناميكية مثل هذا الشئ أعلى بطلنا المغوار.
لو كنت نجمة في السماء، كنت لأرى مراكز هذا العالم الخاص “عالم الصوفية” ، تتجمع وتتحاور لتصل بنا إلى ترابط وتناغم روحي فريد.
ينتهي الذكر وتفرغ الطاقات، ينتهي العرض ويصفق الحضور، معلنين نهاية مؤقتة لجمالٍ حي على الأرض.
في حب الصوفية.