لا تنزع قناع الأكسجين!

ولو كان لهذا الكون قاعدة واحدة، فهي أن اللحظة التي تعلن فيها استسلامك، هي اللحظة التي تسبق الوصول.



ذلك الشئ الذي يدعوك للعيش، الذي تلفظ أنفاسك لأجله، الذي يعينك على الحياة. ذلك الحلم الذي لا تستقيمُ حياتك بدونه، بل لا حياة بدونه. تلك الطاقة التي تفجرت بداخلك مذ وضعته نصب عينيك وبين راحتيك واستوطن دفَّتي القلب، هكذا تكون الأحلام يا عزيزي، ولمثل هذا نحن نحيا ونستمر.
فماذا كنت تحسب أنه الفارق بينك وبين أية جثةٍ هامدة إذًا؟ إنه ذلك العرق المتصبب من جبينك وأنت تَرْقُبُ رمْيَتَكَ، عساها تصيب! وتلك الخفقة الحارقة، التي تنبه حواسك جميعها قبل فوات الأوان. ذلك الصوتُ الذي يعلو ويعلو داخل رأسك، إلى أن تطيعه ثم تصرخ: ما هذا الذي فعلت! إن الفارق بينك وبين أية جثة هامدة يا رفيق هو أنك -رغم كل ما يحدث- تستمر. أنت وحيدٌ لكنك تستمر، أنت ضعيفٌ لكنك تتقوّى بما بين يديك، أنت يائسٌ لكنك تستقي الأمل من كل سبيلٍ ممكن، أنت تائه، لكنك لا تفتأ تبحثُ لك عن طريق.
من كل صفاتٍ اختص الله بها نفسه، أعطاك أنت -الإنسان- قدْرًا منها، هو الرحيم وفيك الرحمة، هو الحليم وفيكَ الصبر، هو القادر المقتدر وفيك القدرة، هو السلام وفيك السلام – إن تجده – ، هو العزيز وفيك العزة، هو السميع و العليم و البصير و الحكم، وأنت من هذه الصفات بعضها، ألا ترى تلك العظمة؟ ألا ترى أنك -بحقّ- مركز القوة في هذا الكون؟ ليتكَ ترى يا رفيق. ليتك ترى!
أعلم أن قسوة العالم تكمن في أنه لا مفر من مواجهته بمفردك، وأن لا أحد يشعر بما تشعر به ولا يتألم لك، ولكن الألمَ واللذة متّحدي المصدر دائمًا، أفلا ترى لذةً بالغةً في هذا؟ إذ من أين لك بهذه القوة الهائلة لمجابهة كل تلك الصعاب، التي يفضل غيرك الفرار منها؟ من أين لك بكل هذا الإصرار، لتستيقظ كل يوم إلى آخر هذه الدنيا؟ من أين لك بكل هذا الثبات، وأنت واعٍ تمامًا أنك سترى ما هو أقسى طالما أنك حيّ؟ أنت قويّ. ألا توافقني الرأي أنه لا لذة على وجه الأرض تساوي، بل تقترب من هذه؟
ولو كان لهذا الكون قاعدة واحدة، فهي أن اللحظة التي تعلن فيها استسلامك، هي اللحظة التي تسبق الوصول. ولِمَ إذًا تماسكتَ كل هذه المدة؟ لا لا، تمهل. لم يحن وقت الراية البيضاء بعد، بل لا يجب أن يحين أبدًا، طالما تتلاحق أنفاسك صاعدةً وهابطة. تمهل يا صديق فكل ما تعانيه اليوم ستحصده غدًا لا محالة، لكن الحصاد سيكون مصحوبًا بخبراتٍ، ما كنت لتحصيها لولا كل هذه المعاناة، إذا أردت فعليك بقسطٍ من الراحة، لتتابع السير بل الركض، توقف برهةً وخذ شربةَ ماءٍ، لا ترتوِ تمامًا فلا وقت لدينا لهذا. السبّاحُ الماهر يسترقُ أنفاسًا أثناء المباراة، لا يقتطع لها وقتًا مخصصًا.
أتدرك يا صديقي من منا سيحظى بما يريد؟ أتدرك من منا سيفوز بالحياة التي أرادها، ومن منا سيرسب في اختبار الوجود هذا؟ إنه ذلك الذي ظلَّ يركض حتى النهاية، وما النهاية إلا وصولٌ في ذاتها! جميعنا يركض -كما ترى-؛ لكن هذا يتوقف، وهذا يتعثر وذاك يملّ، أما هذا الواحد الذي لا ييأس، الذي لا يجثو على ركبتيه سوى لحمل المزيد ثم يقف أكثر صلابة، هذا الواحد يا صديقي هو وحده الذي يصل لما أراد.
عساكَ تكون أنت.