ديچا ڤو

Déjà vu



طلعَ النهارُ على استحياء، فخرجتَ ممسكًا بقيدِ جُروك الصغيرِ كعادتك، وذهبتَ مشيًا لمنتزَهِكَ المفضْل. وجدتَ الجو غائمًا، يبدو هكذا أنها ستمطر قريبًا. ترى على يساركَ أطفالًا يلعبونَ هنا وهناك, وعلى يمينكَ سيدتان منشغلتانِ بالسمر وشربِ القهوة, لكن في لحظةٍ ما، وقفتَ مدركًا أنَّ شيئًا خاطئًا ما يحدث. فقد خُيِّل إليك أن الموقف يتكرر وبكل تفاصيلهِ أو أنك كنتَ فيه، ويلازمك إحساسٌ قويٌ بذلك مع استغرابك الشديد لقوةِ هذا الإحساس. ما حدثَ لك هنا هو عنوان مقالنا لليوم، وهي ظاهرة شائعة وتسمى “شوهِدَ من قبل” أو بالفرنسية ” Déjà vu “.

الـ”ديچا ڤو” هو الشعور القوي الذي يشعر به الفرد بأنه رأى أو عاشَ الموقفَ الحاضرَ مِن قبل، ويلازمُ تلكَ الظاهرة شعورٌ بالرهبةِ والغرابة، وأثبتت معظمُ الأبحاث في ذلكَ الأمرُ أن أكثر مَن يشعرُ بتلك الظاهرةِ هم فئةُ الشباب، والعديدُ من الأشخاصِ أفادوا أنهم مروا بتلك التجربةِ لأولِ مرةٍ بين عمر 6 إلى 10 سنوات.

تصفُ تلك الظاهرةَ الشعورُ القوي الملازم لموقفٍ ما بأنك مررتَ بهِ من قبل، مع الاستغرابِ والتأكيدِ على نفسكَ انه لا يجبُ أن تشعرَ به بقوة هكذا. وتميز بأنَ هذا الشعور هو “الديچاڤو” بأنهُ يأتي بشكلٍ سريع ويتلاشى ويعود المشهد بسرعة للدرجةِ الطبيعيةِ من الألفة. فبالتأكيدِ قد تمشيتَ في المنتزهِ ملايينَ المراتِ ولكن تلك المرةِ شعرتَ بشعورٍ غريبٍ وقوي أن الموقفَ يتكرر بشكلٍ مريب, فأنتَ تعرفُ أنه لا ينبغي أن يكونَ مألوفًا لتلك الدرجة، وعندما يتلاشى تقومُ بسؤالِ نفسك: ما الذي حدثَ للتو!.

ولعلكَ تتساءلُ الآن، ما هي أسبابُ تلكَ الظاهرة؟
نتجَ عن اختلافِ الثقافاتِ وأفكار الأفرادِ حولَ العالم أسبابٌ كثيرةٌ لها، لكن للأسف السببُ المحدد والأكيد غيرُ معروفٍ حتى الآن. لكن تلك الأسبابُ يوجدُ منها العلمية والثقافية، والروحانية أيضًا -كما سنذكر-، لكن دعونا الآن نبدأُ بالسببِ العلمي.

استطاعَ بعضُ العلماءِ استخلاصُ أفكارٍ منَ الأشخاصِ الذينَ يختبرونَ تلكَ الظاهرةِ أكثرُ من غيرهم. فوجدوا أن بعضَ هؤلاءِ الأشخاص يعانونَ من حالةٍ اسمها “صرعُ الفصِ الصدغي”. وهي حالةٌ ترسلُ فيها بعضُ خلايا الدماغِ إشاراتٍ كهربائية عشوائية فتؤثرَ على كل الخلايا المحيطةِ بها، فتحدثَ نوبةُ صرعٍ ينتجُ عنها عدمُ سيطرةٍ مؤقت على التصرفاتِ والحركات. والمصابينَ بتلكَ الحالة غالبًا ما يمرونَ بالديچاڤو قبل النوبةِ مباشرةً, لذلك قالوا أنه يمكن لتلكَ الظاهرةِ أن تُعَد نوبة مصغرة في الفصِ الصدغي؛ إلا أنها لا تُسببُ أي ضرر نظرًا لتوقفها قبلَ أن تتوسع.

وهناكَ من فسرها بطريقةٍ أخرى، فقد لاحظَ العلماءُ أيضًا أن أكثرَ الأوقاتِ التي يمرُ فيها الشخص بالديچاڤو بين سن (15-25), ثم يبدأ بعدها الأمر بالتناقص. و من المعروف أن مشاكل الذاكرة تبدأ بالتقدم بالسن وليس العكس! لذا فإنّ الشعور المصاحب للظاهرة الذي يقول لك أن الأمر خاطئ عليكَ تجاهله, هوَ الذي يدلُ على تمامِ سلامةِ عقلك, إذًا فالـ”ديچاڤو” ليست مشكلة في الذاكرة، بل ما يحدث للأشخاص بعد سن الـ25 بتناقص القدرة على تمييز أن الشعور خاطئ هي المشكلة في الذاكرة، وليست الديجافو.

لكن هناك من كان له رأي آخر بعيدًا عن كل هذا, فقد كانَ للكاتبة الفلسطينية (سلام عيدة) رائعة روائية فانتازية بنفسِ اسمِ الظاهرة، كان ملخصها بأن أبطالُ الروايةِ ارتكبوا خطأ معين في حياتهم وماتوا، ثمَ يُنقلون إلى حياةٍ أخرى في أجسادٍ وشخصياتٍ أخرى؛ لكن ليقوموا بتصحيحِ أخطائهم التي ارتكبوها في حياتهم السابقة. ويأتي ذِكر الـ “ديجافو” في أنه بعد موتهم تمسح ذاكرتهم ويتبقى لهم منها فُتات قليلة، يجب عليهم تذكرها عند المرور بنفسِ الموقفِ لكيلا يرتكبوا نفسَ الأخطاءِ مجددًا.

والآن شاركنا برأيك عزيزي القارئ، لأي الأسبابِ تميلُ أكثر؟ وهل عندكَ أسبابٌ أخرى من وجهةِ نظرك؟