كيان امرأة

إنها المرأةُ، لُغزٌ بقى مجهولًا وسيبقى، في الوقتِ الذي يعتقد فيه الرجلُ أنه قادر على حله. لطالما عانت المرأة على مرِ العصور من صورتها النمطيّة



“كيان امرأة -للرجالِ فقط-“

إنَّ العيونَ الَّتي في طرفِها حورٌ
قتلننا ثمَّ لم يُحيينَ قتلانا.
يصرَعنَ ذا اللُّبَّ حتَّى لا حِراك به
وهُنَّ أضعفُ خلقِ الله إنسانا.

كيانٌ بُنيَّ على جملةٍ راقية من المشاعر المُرهفة، كيانٌ كالعشبِ الخصب الذي ينحني يَمنة ويَسرة أمام النسيمِ الناعم، كائنٌ لطيف مهما كبُر يبقى طفلًا في براءة مشاعره، يسعده السؤال ويبكيه الإهمال، كائنٌ جميلٌ يستحيل فهمه؛ هو كالبحر جميلٌ في مظهره، جحيمٌ في غضبه، غامضٌ في أعماقه؛ فإمّا كيد عظيم أو حبّ عظيم، إنْ مكرتَ بها مكرتْ بك، وإنْ أحببتها عشقتك، كيان مهما ساءت أوصافه وأفعاله؛ تبقى محتاجًا إليه، فإمّا أمًا تشتاق إلى رحمتها ودفء عناقها، أو أختًا تعطيك حنانها وحبها، أو زوجةً تعشقها ترمي همومك على عتبة بابها، تريح رأسك بين ذراعيها ناسيًا همومك وآلامك.

إنها المرأةُ، لُغزٌ بقى مجهولًا وسيبقى، في الوقتِ الذي يعتقد فيه الرجلُ أنه قادر على حله.
لطالما عانت المرأة على مرِ العصور من صورتها النمطيّة المأخوذة والمُتعارَف عليها في عقولٍ ومنابت مجتمعات الشعوب القديمة والحديثة، وكانت هذه المعاناة تتمثل في كثيرٍ من المصائب المجتمعيّة والأخلاقيّة؛ فالإغريق -على سبيل المثال- قالوا عن المرأة: “شجرة مسمومة، ورجس من عمل الشيطان، تُباع كأي سلعة متاع”، وعند الرومان: “ليس لها روح ولا رأي، كيان لا قيمة له”، وعند الصينيين: “مياه مؤلمة تغسل السعادة، لا يحق لها أن ترث”، وعند الهنود: “ليس الموت والجحيم والسُّم والنار والأفاعي بأسوأ من المرأة، كائن لا يستحق العيش، يجب وأدها عند الولادة”، وعند الفُرس؛ اباحوا الزواج من المحرمات دون استثناءات، فلم يكن لها حق رفض الزواج من أخيها، ولا الأم من أبيها، وعند اليهود: “لعنة، وسبب للغواية، نجسة حال حيضها، تُطرد من المنزل حتى ينتهي الحيض، وتبقى نجسة بعد الحيض (40) يومًا، يحق لأبيها بيعها”، وفي عهد هنري الثامن -ملك إنجلترا- أصدر برلمانه قرارًا يمنع قراءة المرأة للعهد الجديد من الكتاب المقدس “الإنجيل”؛ بحجة أنها نجسة، وعند العرب -قبل الإسلام-؛ هي كائن بغيض، خزيُّ وعارٌ، لا تستحق الحياة، تُوأد إذا وُلِدَت، وفي العقل الباطن لدى الغرب الحديث؛ أداة جنسيّة للمتعة والعرض، وعند بعض همج العرب حاليًا؛ عار، غلطة، ولولا الدين ورقابة القانون لوأدناها.

أتذكر وأنا طفل صغير سمعت أحد كبار السن مُمازِحًا أحد حديثي الزواج قائلًا: “أنا مراتي عامِلها شراب في رجلي”. استوقفتني تلك الجملة، ومازلت أتذكرها حتى اليوم؛ لكنني كنت صغيرًا على أن أرد، وهنا نرى كيف هي عقلية بعض الرجال في مجتمعاتنا رغم التقدُّم والتّطور والتّحضُر والثورة الثقافيّة والعلميّة، مازال هناك بعض من يفكرون بهذه الطريقة، في مجتمعاتنا الحديثة لازال وأد المرأة مستمرًا؛ لكن لا نقوم بوأد جسدها، لقد وجدت مجتمعاتنا طُرقًا أخرى لوأد المرأة، فلقد سلبَّ مجتمعنا حُريّة الفِكر للمرأة، سلبها حُريّة الاختيار كما سلبها حُريّة الحياة في السابق، لقد طمثَ المجتمع الحديث كيان المرأة؛ إمّا بحجب المرأة تمامًا، أو بتعريتها تمامًا؛ فأصبحت المرأة عالقةً بين معسكرين ظالمين، إمّا معسكر المنظمات النسويّة، أو العادات والتقاليد المُتشدِّدة، والتي قد تكون مدعومة بفهمٍ خاطيء لنصوص الدين أو جهل عام بأوامر الدين.

لازال بعض الرجالِ يرى أنه لا حق للمرأة أن يكون لها كيان خاص وحُريّة خاصة، فلقد خُلِقَتْ المرأة من ضلعِ الرجل لا من قدمه؛ فبأي حق تُعامل هكذا؟ نحن نجرم في حق المرأة وكلنا شركاء في تلك الجريمة، نحن نقتل هويتها ونهضم حقوقها، نعاملها معاملة الشبح، لا رأي لها ولا كلمة، هي كائن لا وجود له، في هذا العالم القوي يأكل الضعيفَ، وذات الأمر ينطبق على المرأة؛فالمرأة لم تٌخلق للقتال والحرب وإن كانت قادرة، كما لم يُخلق الرجل للحمل والولادة وهو بالطبع غير قادر، فضعف المرأة جسديٍّا جعلها مُستضعفة، ومجتمع الذكور لا ينظر للمرأة إلا في حالتها الجُسمانيّة فقط، ليس لديه اهتمام لا للمشاعر ولا للكيان وهُنا الطامة الكبرى.

في رأيي الشخصي نحن نقوم بإعدام المرأة؛ فهي اليوم أسوأ حالًا من ما مضى؛ فقديمًا كانوا يقتلون المرأة، أمّا اليوم نحن نقودها لقتل نفسها.
كما ذكرت مُسبقًا عن نظرة الحضارات القديمة للمرأة، إلا أن الإسلام قد أتى بغير ذلك؛ الإسلام هو من قال: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، وهنا أحق الإسلام الميراث للمرأة، وجعله شرعيًّا وواجبًا حتميًّا لا مفر منه، بعد أن كانت تُعامل معاملة الشبح في الجاهلية، ومن ثَم أكد القرآن الكريم على وجوب الإنفاق عليها فقال:( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم)، حيث أوجب الإسلام على الرجل النفقة على زوجته وأهله من ملبس ومأكل ومشرب، حيث لا يجب على المرأة شرعًا مشاركة زوجها في جني المال إطلاقًا؛ بل لا يحق للزوج أن يطلب من زوجته طلبًا كهذا، ثم حذَّرَ الإسلامُ من البغي واستغلال ضعف المرأة فقال: (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً)؛ حيث حرَّمً الله الظلم في العموم؛ لكنه اختص المرأة بآية، وإنه أمرٌ لو يعلم الرجل عظيم، ثم قام الإسلام بمسح الصورة النمطيّة للمرأة عند العرب؛ حيث لم يفرقْ بينها وبين الرجل في المنزلة أو الرُتبة عند الله فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( إنما النساء شقائق الرجال)، أي لا فرق بيننا إلا بالعمل الصالح، أي أنها لما تُخلق كي تكون شرابًا في قدميك، أو جارية في بيتك، بل كما كرَّمَ الله الرجل وجعله عزيزًا كريمًا، كرَّمَ الله المرأة وجعلها ملكة في دينها.

أخي الرجل! أعلم أني قد شدّدت عليك في القولِ؛ لكنها مسؤوليتنا نحن الرجال، وخاصةً الشباب؛ لتوعيّة المجتمع، علينا أن ننظر للمرأة من جانبها الآخر كي نرى حقيقتها، قال الله في مُحكم التنزيل: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ). شبّه الله المرأة بالأرضِ التي تُزرع وتُحرث؛ فإن زرعتها واحسنت زراعتها؛ رُزِقت أضعاف أضعاف ما زرعت، وكذلك المرأة، تعطيك المرأة بقدرِ عطائك، وتحجب عنك بقدر بُخلك، وتموت بقدر إهمالك، المرأة أرضٌ، إن تُزرع شوكًا تجني شوكًا، وإن تزرع وردًا تجني وردًا، وإنْ تزرع حُبًّا تجني عشقًا، أعلم أننا معشر الرجال دائمًا ما نبحث عن الحب، والذي هو أجمل مرحلة من مراحل حياة الرجل، فالحب هو الحياة والحياة هي المرأة، إعلم أخي الرجل أنك مهما حاولت وصف الحب لن تستطيع، ولكن يكفي المرأة أن تتفوه بما هو الحب، حب المرأة كالقمر، إذا لم يأخذ بالازدياد حتى يصبح بدرًا؛ سينقُص إن لم تهتم به حتى يصبح هلالًا ثم يختفي؛ لذلك المرأة ليست مجرد ضلع، المرأة كيان، المرأة هي أصل الوجود.

وهنا أرُد على الرجل الذي قال: “أنا مراتي عامِلها شراب في رجلي”، الآن بعد (12) عام لديّ القدرة على الرد: ” إن تجعل المرأة ملكة في بيتك؛ تجعلك تاجًا على رأسها، وإن حاولت أن تجعلها شرابًا في قدميك تجعلك حذاءً لها. فيا معشر الرجال أختم لكم بحديثِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (استوصوا بالنساء خيرًا)، فهل استوصينا بالنساء خيرُا؟
اجيبونا في التعليقات.
كتابة:عمرو محمد