أهواك، ولن أنساك.

"صوت عبد الحليم حافظ يحرّض على الحب".



صباح ومسا شي ما بينتسى، وحلاوة روح تُبيد الأسى، وصوت حنون يُشيع الطرب، وعمق الغناء حصاد الوجع، وقلبٌ مريض يُجيد الوفاء، ولكن.. حَلت غيوم تُبيد الصفاء تَشيع الألم تُميت القلوب، فتهيج العيون لفرط الدموع، فنبعث رثاءً لأهل القبور في الذكري الثانية والأربعين لعندليب الطرب، إنه الفنان الراحل عبد الحليم محمد إسماعيل شبانة، المعروف بـ”عبد الحليم حافظ” ابن قرية “الحلوات” بمحافظة الشرقية، الذي تجرع مرارة اليُتم منذ نعومة أظافره، توفيت والدته بعد ولادته بأيام وقبل أن يتم عبد الحليم عامه الأول توفي والده، تجلى حبه العظيم للموسيقى فالتحق بمعهد الموسيقى العربية قسم التلحين عام (1943) م، ليصبح فيما بعد معشوق الجماهير، الذين لقبوه بـ”العندليب الأسمر” تألق الفنان الراحل منذ عام (1951) م، بعد تقديمه قصيدة “لقاء” كلمات صلاح عبد الصبور، وألحان “كمال الطويل” عام (1951) م، ومن ثّمَّ اكتشفه الإذاعي الكبير حافظ عبد الوهاب الذي سمح له باستخدام اسمه “حافظ” بدلًا من “شبانة”، ومن هنا بدأت مسيرته نحو النجوم، فقدم “صافيني مرة” في أغسطس عام (1952) م، ورفضتها الجماهير من أول وهلة حيث لم يكن الناس على استعداد لتلقي هذا النوع من الغناء الجديد، ولكنه أعاد غناءها في يونيو عام (1953) م، يوم إعلان الجمهورية، وحققت نجاحًا كبيرًا، ثم قدم أغنية “على قد الشوق” في يوليو عام (1954) م، وحققت نجاحًا ساحقًا، منذ تلك اللحظة لم يتوقف “العندليب” عن التغريد بصوت آثر، مؤثر في القلوب دافئ، حالم، رقيق، قوي، صوتٌ حيٌ لا يملأ الآذان، بل يملأ القلوب، لتعم أنغامه ضواحي البلاد، و يشيع الحب.

فقد قال عنه يوسف إدريس “صوت عبد الحليم حافظ، يحرّض على الحب، وحتى لو حرض على اللوعة والأسى، فهو ذلك الأسى الذي يمهّد لتقبّل الحب، وزرع الحب، وحب الحب”، ونلاحظ أن عدد كبيرًا من أغاني العندليب تحوي نبرة من التفاؤل، والأمل، والحب مثل “ذلك عيد الندى، مركب الأحلام، في سكون الليل، فرحتنا يا هنانا، العيون بتناجيك، غني..غني، الليل أنوار وسمر”، وهوى العندليب الطبيعة فتغنى بها مثل “الأصيل الذهبي، هل الربيع، القرنفل، صحبة الورد، ربيع شاعر”، ولا يمكن إغفال دور حليم حينما أعاد بث روح الأمل في نفوس عامة الأمة المصرية بعد نكسة (67)، وغنى “عَدّى النهار” كلمات الشاعر “الأبنودي” ليكسر بها حاجز الخوف واليأس في نفوس المصريين والجنود على الجبهة، وتقول كلماتها “عَدّى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ظهر الشجر، وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر، وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها جانا نهار مقدرش يدفع مهرها، يا هل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين أبو الغناوي المجروحيين يقدر ينسيها الصباح”.

 

غرد العندليب وظل النغم الحُلو الذي يشدو في آذان الملايين، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السُفن، ويكتشف حقيقة مرضه بـ”البلهارسيا”؛ ليحل خريف جاف، وشتاء قارص، وكلما تفاقم مرض “البلهارسيا” لديه نلاحظ أن نبرة التفاؤل بدأت تختفي تدريجيًا، علنا ندرك أن عمق الغناء يأتي أحيانًا من عمق الوجع، لتحتل نبرة الحزن والأسى أغانيه مثل “موعود، أحضان الهموم، أسمر يا أسمراني، أهواك” وغيرهم الكثير، تذيلت أغنية “قارئة الفنجان” للشاعر نزار قباني قائمة أغاني العندليب، ولكنه عَبَرَ عن ندمه الشديد على غنائها، لكونها شؤم عليه بسبب مضمونها، حتى أنه رفض الاستماع إليها في منزله، كما استطاع حليم أن يجمع بين موهبتيّ الغناء والتمثيل، فقدم عدد من الأفلام الهامة في السينما المصرية، والتي حققت أعلى الإيرادات، فجيد العندليب ما يقرب من (١٦) شخصية مختلفة خلال تلك الأفلام، ومن أبرز أفلامه “أيام وليالي، أيامنا الحلوة، دليلة، الوسادة الخالية، البنات والسيف، الخطايا، معبودة الجماهير”.

توفى العندليب في (30 مارس عام 1977) م في لندن عن عمر يناهز السابعة والأربعين عامًا، “نتيجة إصابته بـ”الالتهاب الكبدي الفيروسي” مع وجود تليف في الكبد ناتج عن إصابته بداء البلهارسيا منذ الصغر، فحزن الجمهور حزنًا شديدًا حتى أن بعض الفتيات من مصر انتحرن بعد معرفتهن بهذا الخبر، وقد تم تشييع جثمانه في جنازة مهيبة حيث بلغ عدد البشر المشاركين في الجنازة أكثر من (2.5) مليون شخص، رحل المغرد ولم يرحل فنه، رحل “حليم” وبقي أثره، ومازالت أنغامه تسكن قلوبنا، وتَشيع الحب والسلام والأمل بصدورنا، سلامًا إليك يا “عندليب” الطرب.