مراجعة رواية (شآبيب).

"ماهو تعريف الغربة؟ مهاجر ترك الوطن أم غريب هاجره وطنه!"



الغربة تحاصرك فتفرض عليك قوانين النفي الأبدي، لا مفر من أن تكون منبوذًا، لماذا؟ لأنك عربي في بلد أجنبي؛ لأنك مسلم تردد بشموخ “الله أكبر”، لأنك أسود وهم بيض، لأنك مختلف، واللعنة على من يخالفهم، ما هو تعريف الغربة؟ مهاجر ترك الوطن أم غريب هاجره وطنه! وما تعريف السجن؟ أن تقبع وراء القضبان أم تظفر بالحرية بينما تعيش في سجن ذاتك، سجن وطنك، وسجن الكون، يلاحقك الحصار ويسكب عليك ويلات التعصب والتفرقة العنصرية، إذن أين المفر؟ إلى “شآبيب” المفر.

“شآبيب”
صدرت الرواية عن “دار الشروق” في يناير ٢٠١٨ وهي الأخيرة للكاتب الراحل د/ أحمد خالد توفيق.
عنوان غريب يدفعك تلقائيًا للتساؤل عن معناه، وفي مقدمة الرواية يجيبك الكاتب على أن شآبيب كلمة جمع، مفردها “شؤبوب” وتعني الدفعة من المطر أو الشدة من كل شئ..

التصنيف:
عندما أقرأ للعرّاب، أعلم أنني لست بحاجة إلى تحديد نوع العمل، وفي تلك الرواية لم يختلف الأمر كثيرًا؛ فبنظرة شمولية تجدها “فانتازيا” كضريح من الخيال في أرض العالم الموازي، ثم لاتلبث أن تتهاوى أضرحة الخيال لتجعلك تصطدم وتُصدم بأرض الواقع الأليم؛ عذرًا أيتها “الفانتازيا” فواقعنا تجاوز خيالك مهما اتسع؛ فلتتنحي جانبًا، ودعي المشهد يتحدث بلغة “الواقعية”، فقد رأيت مشاهد الرواية تتجسد ويلعب أدوارها شخصيات بيننا، مشاهد يلعب فيها العربي المهاجر دور الضحية، ويزعم الساسة بأنهم أبطال المسرحية، لكن بأسهم ما هو إلا محصلة عدة أدوار ثانوية، كل شأنها هو التكالب على العرب حتى لتغلب القوة الشجاعة؛ فيظل العربي التائه هو البطل الذي لا يكف عن النضال، وقد تراها “سياسية” عندما تباغتك السياسة بمصطلحاتها الثقيلة من بين السطور، كأن تسمعه يتحدث عن الليبرالية أو اليسارية أو الفكر العلماني، ولا تعجب عندما تداهمك السياسية النازية في القرن الواحد والعشرين، نعم مات هتلر لكن أحفاده أحياء يعيثون في الأرض فسادًا، فكل مستبد سالب لحقوق البشرية، منتهك للحريات الانسانية هو هتلر ولو مرت القرون، كانت السياسة سببًا للغربة، ورأينا توجهاتها العنصرية تتولد ضد كل عربي في بلاد المهجر، كما يمكنك تصنيف الرواية على أنها “رومانسية” عندما تعيش للحظات مع قصة حب نشأت على سطح بناية لشاب كان يهوى تأمل النجوم، أو قصة حب بدأت مع مولد وطن جديد على جزيرة نائية تقع على حدود العالم، لكن عندما ترتجف خوفًا وتسري القشعريرة في بدنك، سوف تدرك أن كاتب الرعب رفض التخلي عن سجيته، إنه العرّاب حيث القلم بلا لجام ما دام يبدع.

الشخصيات:
أجاد الكاتب اختيار الشخصيات الرئيسية، وسلط الضوء على الفوارق الظاهرية في الأنماط المعيشية التي تعهدها كل شخصية على حده، لكن في الوقت ذاته جعلهم مشتركين في الآلام والطموحات، يعبر كل منهم عن قضية الكاتب ورسالته المنوط بها، كما تعددت الأدوار الثانوية وجاءت داعمة لأبطال الرواية، يلعب كل منهم دور فعال يساهم في اكتمال المشهد، ووضعه في الإطار الواقعي الذي لا يقبل الشك، ومن الشخصيات الرئيسية في الرواية:
أمينة: معلمة مجتهدة تعمل بإحدى المدارس في أوسلو بالنرويج، تتوق للعودة إلى وطنها “تونس” خشية من الغربة والحصار لكنها أمنية شبه مستحيلة، تواجه هي وابنتها العديد من أشكال العنصرية والاضطهاد العرقي.
مكرم: أستاذ العلوم السياسية، العربي الطموح العاشق لعروبته وكل ما يتعلق بها من تراث فني وأدبي واجتماعي، المهاجر الذي اصطحب معه عروبته إلى الغربة، فلا زال يسمع أم كلثوم وهي تغني للوطن وفيروز وهي تغني “لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي” وعبد الوهاب يلحن “وطني حبيبي الوطن العربي”، يعد من أهم شخصيات الرواية وصاحب فكرة “شآبيب” الوطن الواحد الذي يجمع عرب الشتات من كل بقاع الأرض، يدافع عن فكرته ويعمل جاهدًا على تحقيقها.
سليم: من أكثر الشخصيات معاناة من التعصب والعنصرية، أذاقته الغربة ويلاتها وشُتت قلبه أشلاءً حزنًا على أحبته، شهد تحولًا جزريا في نهاية الرواية، فجمع بنفسه أشلاء قلبه المتمزق وثقله بالخرسانة ليضحى حجر لا يهاب.
محمد عدنان: بإختصار هو الشاب الذي انقلبت حياته رأس على عقب حينما غير اتجاه ناظريه.
الزمان: عهد يُباد فيه العرب لمجرد أنهم عرب، ولكن! إن شئت قل “منذ نشأة العنصرية والتعصب إلى حين رُفعت شعارات الديموقراطية الوهمية” إن شئت قل “من عهد هتلر واستبداد السياسة النازية وحرق اليهود حتى يومنا هذا” إن شئت قل “منذ أعوام حينما قُتِل المسلمون في بورما، أو منذ أيام عندما قُتل المصلون بنيوزيلندا بينما يشتد القصف في غزة، إن شئت قل “في كل عصر تُسفك فيه دمائك لمجرد أنك مختلف”!

المكان: أخذنا الكاتب في رحلة حول العالم بدأها بالنرويج، فذهبنا إلى أمينة في أوسلو وولجنا إلى الجيتو الذي يقطنه العرب، ثم اصطحبنا في جولة بالمدينة؛ لنتنزه بحديقة فروجنر أو نرى متحف إدوارد مرنتشن الذي لم تزره قط، ومن النرويج إلى الولايات المتحدة، معك بضع ساعات لتلتقط صورة بجوار تمثال الحرية، أو تحضر اجتماع مكرم في البيت الأبيض وهو يعرض فكرته على جوناثان ايرهارت والرئيس الأمريكي الذي يجلس صامتًا عاقدًا ذراعيه، حان وقت السفر إلى “ليبيريا” بلد صغير أضنته الحروب الأهلية ليس بخير مكان للتنزه كما أنك لن تكون سعيدًا برؤية حالة سليم البائسة؛ فلنعد إلى مصر، وبعد عودتك ستعلم أن محمد عدنان معتقل في سجن المنصورة مع جماعة إسلامية وبعض من الليبراليين أو الثوريين، لا تعبأ بشأنه فربما يلحقنا في أستراليا فيما بعد، ثم إلى المقر النهائي، إلى جزيرة نائية في بابوا غينيا الجديدة.

السرد والحبكة:
تتابع العراب في سرد الرواية بصورة تفصيلية على هيئة فصول منفصلة، يحمل كل فصل عنوان المكان الذي تتم فيه الأحداث، كما تسير الأحداث في توازٍ مستمر، ثم تتقاطع وتتشابك حتى ليبلغ الصراع قمته في التعقيد والتشويق في آخر الفصول بصورة بارعة متقنة؛ لينم عن حبكة متميزة بأسلوب العراب المميز.
أجاد استعمال الصور البلاغية والتشبيهات الخيالية التي تشعرك وكأنك تعيش الواقع على أرضه، فلا عجب إن سمعت صوت صرير عجلات تغزو الجيتو وتذعر قاطنيه، او تشم رائحة غاز ثاني أكسيد الكبريت التي تخنقك بينما تتصاعد من بركان جاواتمي الذي يوشك على الانفجار، هكذا تتعايش مع شخصياته، تتألم لأوجاعهم، تمقت الغربة لأجلهم؛ فتطمح معهم، وتحلم بوطن واحد يأويك قبل أن يأويهم.

المآخذ:
ربما يرى البعض أن الكاتب قد أسهب في التفاصيل إلى حد الملل في بعض الفصول، كما أنه بدأ من حيث أنتهى! أي أنه جعل مشهد النهاية كاقتباس رئيسي في معظم الفصول، الأمر الذي اعتبره البعض حرقًا للنهاية، والمقصود هنا هو مشهد البركان الذي قام بتفصيل خطوطة البارزة ابتدءًا من غلاف الرواية الذي يُظهر مشهد البركان في الخلفية.
………….
العراب ذاك الكاتب الذي أعشق أسلوبه؛ فيصبح إعادة قراءة تلك الفقرة أو هذة العبارة أكثر من مرة شيء طبيعيًا؛ إذ أغرق في تأمل الكلمات والتشبيهات والأسلوب، وأجد متعتي في استنتاج المغزى وراء الحوار، لذا عليّ الاعتراف باستغراق وقت طويل حتى أنهي له عملًا معينًا… فأظهر وكأنني لا أملك مهارات القراءة السريعة التي أحسد عليها البعض لكنه العراب يا سادة فلتندثر السرعة مقابل الاستمتاع بالعمل الفني.