“هي… العالم”

"تلفظك الدنيا خارج رحم الجنة، طفلًا لا تعرف في الحياة غيرها هي"



“هي العالم”
هناك حيث تدق الحياة لأول لحظة، حين لا تزال الحياة تخط طريقها ببطء إلى أجساد لم تكتمل بعد، وأرواح لم تذق طعم الحياة، وعيون لم تعرف معنى النور، ولم تشعر أبدًا بأنها تقبع في ظلام، لأن في تلك الأحشاء نور ليس مثله نور، والآذان التي بعد تختبر الأصوات، تستمع إلى دقات قلب بصوت الألحان، وإذا كانت الجنة في السماء، فهناك كانت الجنة قبل أول صرخة أتت بنا إلى هنا، خارج الجنة ولكننا على الأقل بجوارها، تسكن معنا، ويتعطر موطننا برائحتها، هي موطننا الأول والنور الذي نهرب إليه من ظلمة العالم، تلفظك الدنيا خارج رحم الجنة، طفلًا لا تعرف في الحياة غيرها، هي ثم البقية تأتي، العالم كله يأتي، أو لا، المهم أنها هنا، ثم حين تقرر عليك السن أن تفارقها حيث تبدأ مراحل الحياة، اللحظة الأولى التي تدرك فيها أن العالم ليس حضنها الدافئ، وأن قدمك الصغيرة يجب أن تطأ موقع الحياة، حين تترك يدك على باب المدرسة وفي عيونها الأمان، لتطمئنك أنها تنتظرك، ينتظرك قلبها حين تعود، غب ما شئت، فليملّ أهل الأرض جميعا، لكنها تنتظرك، بحضنها الدافئ وابتسامتها على باب المنزل، وصوتها العذب، ورائحة طعامها اللذيذ، تنتظرك بلا شروط، تكبر قدمك الصغيرة ليصبح موضعك ذا أثر، لم تعد تحتاج أن توصلك في الصباح، ربما تعرف كيف تستيقظ وحدك بدون بصوتها، ولكن صباحها غير، والفطور الذي تلحقه معها، والحديث الذي يدور قبل أن ترحل إلى العالم، والشاي من يدها، ينبئك بيوم سعيد، فتخرج مبتسمًا، مستعد لأن تحارب العالم كله لأنها ابتسمت لك في الصباح، العالم في الخارج قاسي، ليس فيه من طبعها شيء، لم يتعلم يومًا منها، ولم يستمع أبدًا إلى دقات قلبها ليحنو كطفل إليها، حين يقرر هو أن يقسو عليك، وحين تضيق الدنيا كلها في وجهك، ثم تقرر أنك أصبحت كبيرًا كفاية لتدبر أمورك وحدك، وتحاول مئات المرات ثم لا فائدة، تشعر هي بكل ذلك وتتركك لتحاول وحدك، ثم بكلماتها هي، ودعوة في جوف الليل، ودمعة من نور عينيها كفيلة أن تتفتح أزهار عالمك، وينير القمر بعد أيام محاق، كأن فلك العالم كله يدور بها، ويتوقف إذا توقفت، هي حياة تكمن في التفاصيل، في الطعام الذي ترغب به في نصف اليوم ثم تعود لتجدها حضرته لك وأنت لم تخبرها، في مكالمتها بعد امتحان صعب لتخبرها أنك لم تبلي حسنًا فتخبرك أن المهم هو أنت وليذهب أي شيء للجحيم، في حزننا التافه غير المبرر وتقديرها له كأنه أزمة العالم، في استيقاظها في منتصف الليل لتعد لك كوبًا ساخنًا من يديها، في ابتسامتها، في أن تربت على كتفك بلا سبب كأنها تخبرك بلغتها أنها معك، في أن تأتي في النوم بجوارك لتعانقك كطفل صغير، في كل التفاصيل الصغيرة التي لا تحصى، فيها هي، كل التفاصيل، معنى الإيثار، يكمن في قلبها، حين تؤثرك على نفسها، ولا يهمها ما تريد المهم ما تريده أنت، ومطالبك أمر واجب نفاذه، لو كنت مسافر، فالطعام الذي تصنعه لابد أن تحتفظ به حين تعود، أن تترك لك نصيبها من الطعام لأنك تحبه، أن يشعرك العالم بأنانيته لِتُعَوّض هي كل ذلك، أن تنجح فلا تجد عيونًا تلمع بالفرح قدر عيونها، أن تحب لك الخير أكثر من نفسها، هي الوحيدة التي ترتضي بأن تفني كيانها فيك، الأمومة شعور غريب وهب فقط للنساء، هدية الله إليهم، وحمل على أعناقهم، ولكنه حمل جميل ومحبب، حين أنظر إلى أي امرأة حامل، أستشعر عظمة الله، ففيها يكمن الحياة والجمال، الحياة في جنينها، والجمال في أمومتها، يدعون أن لها يوم، يوم واحد فقط من كل عام، ولا يعرفون أن لو جمعنا كل أيام البشرية منذ بدأت الحياة لما كفتها، لم أؤمن بهذا اليوم أبدًا، ولن أستطيع، فكيف لمن بذلت حياتها كاملة أن يكون مقابلها يوم! لم أستطع يومًا أن أفصح بحبي، فأنا لم أكن جيدة في هذا وهي تعلم ذلك جيدًا، أكثر مني تقريبًا، ربما ينفر مني أحدهم لذلك، ولكنها الوحيدة التي تتقبلني كما أنا، بعيوبي، وبنوباتي غير المبررة، وامتحاناتي التي لا تنتهي، وعصبية كل ليلة امتحان، لتمتصها بهدوء، فكما تقول “ليس علي الممتحن حرج”، الكلمات مبتذلة، والحروف تخجل لأنها لن تكفيها، والعالم كله لو قدم لها على طبق فلن يساوي ابتسامتها، لأنها أكبر من العالم وأدفأ من نور الشمس، لأنها هي النور الذي ليس مثله نور.