“مش كلام تنمية بشرية “

لیست بأفضل حال، لكنها أنسب حال، على الأقل تناسبك وحدك، تسرد قصتك الخاصة، وتُظهر تفاصیلها بعدسة تدهشك بدقتها



“مش كلام تنمية بشرية”

ليست بأفضل حال، لكنها أنسب حال، على الأقل تناسبك وحدك، تسرد قصتك الخاصة، وتُظهر تفاصيلها بعدسة تدهشك بدقتها، في هذا المكان تعثرت وتعثَرت معك آمالك، وبقرارك الفردي قاومت؛ فتحققت أحلامك، كل الأحداث مُوثّقة حتى لا تتظاهر بالنسيان، وكأن معالمها مُقاومة لمرور الزمان، فاحتفظت بكل تضاريسها ضد الفقدان، لتبقى جليّةً بدون إمعان، قطعت من خلالها شوطًا طويلًا حتى وصلت إلى سفح جبل يدعوك بالتسلق، لكن الصخور تنذرك بالألم، فتنظر إليها طالبًا النصح، فتردك خائب الأمل، حائرًا، مندهشًا، خائبًا لأنها رفضت، حائرًا لأنها أعطتك حرية الاختيار، مندهشًا حينما قالت” أنت صاحب القرار، وأنا تابعة في الاختيار” من هي؟ إنها خريطة حياتك بكل ما فيها من تضاريس.

ضجيج التنمية البشرية يعلو يوم بعد يوم، آراء مؤيدة وأخرى معارضة، وأصحاب قلة الحيلة والمنجرفون مع التيار هم حتمًا الضحية، كنت أظنني على الطريق الصحيح قبل أن تُصِيبَني آفة التعميم.
أتذكر جيدًا حين سألني أحدهم عن رأيي في كتب التنمية البشرية فأجبت -بناءً على ما أسمعه ولم أعهده- “لا بأس بها حينما يترامى اليأس على مد البصر” وكأن النجاح الساحق خلطة سحرية لا يعرف مقاديرها سوى هذا الكتاب، أعترف بالخطأ وربما ضيق الأفق عندئذ، الأمر بعيد كل البعد عن مفهوم المصطلح عالميًا، فلم تكن التنمية البشرية مجرد بضعة كتب تحمل عناوين جذابة تحت مسمى تنمية الذات، هكذا أخبرتني ويكيبديا عندما تصفحت موقعها؛ لأعلم أن مؤشرات التنمية البشرية التي تقرّها الأمم المتحدة عن بلدان العالم لا ترتبط بتنمية الذات في المقام الأول؛ بل كانت ترتبط إرتباطًا وثيقًا بالتنمية الاقتصادية والأوضاع الصحية والاجتماعية والتعليمية للمجتمع بوجه عام، أصابني الذهول، فأين فن الإقناع والبرمجة اللغوية ومهارات التواصل الناجح وقواعد النجاح الأربعون! نعم كانت قطرة في محيط، و لكن صريحة؛ لست من هؤلاء الذين ينجذبون لعناوينهم الزائفة، وحتى الآن لم أقرأ كتاب تنمية بشرية -كاملًا- لأعلام هذا المجال؛ وإن شرعت في القراءة فلا أكمله قط، فكل قراءاتي كانت عابرة منفصلة بعضها عن إدارة الوقت، والآخر عبارات تفاؤل وتحفيز.

لطالما كان اكتساب المهارات وتنميتها من أهم ما يشغل بال الكثيرين في وقتنا الحالي، ومع ربط مصطلح التنمية البشرية بهذا النطاق؛ أصبحنا نلاحظ تهافت الناس على الندوات والجلسات التدريبية في مجال تنمية الذات، وعلى الطريق الموازي يسير التيار المعاكس، يقف أناس متمسكين برأيهم في إدانة التنمية البشرية كوسيلة خداع ودس للسم في العسل، دعكم من أنهم يعبرون عن هذا الهراء بمصطلح خاطئ، فكما أوضحت؛ التنمية البشرية ليست تنمية ذات أو طاقة إيجابية، ومن يدافع سيظل يهتف بالمثالية حتى يُصدم بالواقع، سيُصدم أن مصباح علاء الدين فقد صلاحيته في عصر التنمية البشرية عندما تتخاذل عن تحقيق الأمنيات لمؤيديها، فأحدهم ذهب لحضور ندوة بعنوان “كيف تستغل وقت فراغك فيما يفيد” ليقتل الملل ويشغل فراغه! وآخر حضر ندوة بعنوان “كيف تحصل على ترقية في عملك” وهو لم يحصل على وظيفة بعد، فيصبح الدافع كسل وفراغ مؤديان إلى نفق مظلم من إهدار الوقت والمجهود والمال.

يقضي أناس وقت طويل في قراءة كتب التنمية البشرية متخذين كلامها منهج ومنوال لا يحيدون عنه، متجاهلين تغير الظروف المكونة لأصحاب تلك الخرائط التي تتغير معالمها وتضاريسها بشكل جذري عن خريطتك الخاصة، فصفحاتها تحكي تجارب ربما تختلف كليًا أو جزئيًا عن حياتك، عاصروا ظروف ربما لم تعهدها ولن تشهدها، إذًا ما الفائدة؟ صدقني قد تكون الفائدة جرعة إيجابية تظلمها عندما تطرحها أرضًا بعدما تنتهي الندوة أو ينتهي الكتاب.
فلن تكون مليونيرًا في أسبوع -كما يزعموا- ولن تتفوق في الدراسة ما إن قرأت ذاك الكتاب وحضرت تلك الجلسة، الموضوع لا يقف عند هذا الحد، ستصل فقط بمجهودك المُضني وعملك الدؤوب، وجروح الصخور التي أنذَرَتك بالصعود.
ذو مفعول سريع لكنه يزول أسرع إنها “الطاقة الإيجابية” نتيجة الندوة والكتاب والفديو وكلام أحدهم لك، دعوني أوضح غايتي وأقول: “الطاقة الإيجابية ليست تنمية بشرية” فلا أريد لهذا المفعول السريع أن يستمر فقط للحظات، تلك اللحظات التي تسمع فيها الندوة أو تمارس هوايتك المفضلة، أو تسمع أغنيتك الرومانسية بينما ترتشف كوب من القهوة الساخن في هذا الشتاء القارص، لا أريد تلك الإيجابية التي ستنتهي بانتهاء كل هذا؛ لكنني أريد تلك التي تكمل بها لتحقق المعجزات وتدهش الجميع، لتثني على كلمة صديق وتربيت من يد أحدهم على كتفك حين زارك الانكسار، هكذا منحوك الإيجابية فأكملت طريقك، ومنحتها عمر فاق عمرها الافتراضي، لا تنجذب إلى أقوالهم فأنت أعلم منهم بقدراتك، وكل المسؤلية تُلقى على عاتقك عندما تريد تطوير مهاراتك، أجعل لنفسك منهج تتبعه عندما لا تجد ضالتك في كتب لن تشبهك، أحاول فقط منحك ومنحي بعض من الإيجابية ربما تفيدك في إكمال يومك على نحو جيد، لكن كلامي “مش كلام تنمية بشرية” على كل حال، البقاء لأصحاب المبدأ، فكن ذو مبدأ وسر وفق خريطتك الخاصة -التي تناسبك وحدك- ولا تغير مسار الرحلة مهما كانت قساوة تضاريسها.