“مراجعة مسلسل (أهو ده اللي صار) “

قصة حب عمرها مائة عام



المسلسل: أهو ده اللي صار.

أول عرض: فبراير (2019).

الأسكندرية عام (1918)، تظهر نادرة “روبي” مرتدية فستانًا أنيقًا أمام البيانو في قصر نوار باشا ترسم أناملها مقطوعةً موسيقية تملأ القصر، بينما يعود فجأة يوسف بيه “أحمد داوود” من رحلته لدراسة الطب، والتي باءت بالفشل بعد الحرب العالمية الأولى، يسيطر الفرح على المكان بعد أن ساور خديجة هانم “سوسن بدر” القلق ألا يرجع ابنها بسبب الحرب، ويظهر منذ اللحظة الأولى إعجاب يوسف بنادرة والذي ينبيء بقصة مشهورة وهي حب البيه للخادمة، ولكن تختلف نادرة عن بقية الخدم نظرًا لمعاملة خديجة هانم الخاصة، فقد قرّبتها منها وعلمتها القراءة والكتابة، وعزف البيانو، والتريكو، والعهد في ذاك الزمن أن التَعلّم للرجال فقط أما الفتيات فيقتصر بينهن على ذوات الحسب والنسب، وحينما يُحب يوسف بيه نادرة، ترجع لأصلها “بنت زكريا” الذي لا يتعدى كونه خادمًا جاء من الصعيد للعمل بالقصر، وتظل نادرة حيرى بين مدينة بالشكر للهانم لتعليمها وأنه عـذابٌ من نوع آخر؛ فلا هي تنتمي لطبقة الهوانم والبشوات ولا لطبقة الخدم!

 

@OnE

الأسكندرية (2018) وسط صوت “كلاكسات السيارات”، تظهر سلمى “روبي” أمام القصر ولكن تلك المرة مرتدية معطفًا وبنطالًا من “الجينز”، تُمسك بكاميرا حديثة موجهة عدستها نحو القصر، لالتقاط بعض الصور ضمن عملها كصحفية؛ لتلحقها بتحقيق عن مصير القصر ما بين هدمه لاستغلال مساحته أم لإلحاقه بآثار الدولة وجعله متحفًا للفنون، يخرج يوسف فجأة من داخل القصر ليخبرها أن التصوير ممنوع حتى يتطور الحوار بينهما فيُعلن عن بداية قصة حب جديدة امتدادًا للقصة الأولى، وبهذين المشهدين يعلن المسلسل عن قصة حب عمرها مائة عام (1918-2018)، يشهد عليها القصر، يجسد المسلسل قصة الحب بين بطليه بطريقة مختلفة، وفي إطار اجتماعي قبل أن يكون رومانسيًا، يناقش الفرق في المجتمع والثقافة والناس بين الماضي والحاضر، مع تسليط الضوء على حياة المرأة والتي اختلفت كثيرًا.

 

@OnE

يتواجد مجموعة من الفنانين يجسدون حكايات ما خارج القصر، على رأسهم علي بحر المطرب “محمد فراج” الذي يتشوق لترك بصمته في عالم الفن ولكن لا مفر من حياة التسكع لشاب في مطلع حياته، ويصعب الوصول إلى مناله لقلة الفرص المتاحة التي تمكنه من العمل كما يليق لتقديم فن حقيقي، ورغم الصراعات التي يمر بها لإثبات نفسه، فهو عالقٌ في صراع آخر وهو حبه لـنادرة من طرف واحد، ورغم مرارة مذاق هذا الشعور إلا أن هناك أيضًا من يسقيها هو إياه؛ وهي أصداف الراقصة “أروى جودة” الفتاة التي تعمل في أحد كباريهات الأسكندرية وترافق الإنجليز مقابل المال، وله صديقان أحدهما يمثل من يتخذ من الفن وسيلة لكسب المال وهو الشاعر وديع البساطي “علي الطيب” والآخر الذي يمثل شخصية الشيوخ وأصحاب العلم في تلك الحقبة الزمنية ومع ذلك يقدر الفن الهادف وهو الشيخ الزهار “هشام إسماعيل”.


مـن بطولة: روبي، أحمد داوود، محمد فراج، أروى جودة، سوسن بدر.
التقمص التام للشخصيات لم يترك مجالًا للشك في موهبتهم الحقيقية، أما اختيار روبي لتؤدي دور البطولة يعتبر مثاليًا، حيث الملامح المصرية وبساطة الأداء وجماله، وأكثر ما ميز أداءها هو الفرق الواضح بين شخصيتي سلمى ونادرة ويشترك معها في ذلك أحمد داوود في أدائه لشخصيتي يوسف الأول والثالث، فتشعر أثناء مشاهدتك كأن كلا الشخصيتين لا علاقة لهما ببعضهما البعض رغم أن الممثل واحد، واجتماع فراج مع داوود ينبيء أنه عمل مميز ومختلف فالإثنان استطاعا أن يتركا بصمتيهما في الدراما في وقت قصير، وتظـل سهولة التلون بين الشخصيات لفـراج مبهرة فكيف أن علي بحر في ذلك المسلسل هو نفسه سوني في هذا المساء أو علي الروبي في تحت السيطرة! ودور الراقصة يجعل أروى جودة تخلع جلدها، فأغلب أدوارها السابقة هي الفتاة الغنية، ويعتبر التحول بين الشخصيتين ممتازًا ولكن في بعض المشاهد مصطنعة الأداء.


من تـأليف الكاتب: عبدالرحيم كمال والذي أثبت إبداعه في نسج القصة وتفاصيلها، وفي الحوار الذي يعلق في أذهان سامعيه، وأكـثر ما ميّز هذا العمل هو مـزج القصة بالتـاريـخ، فإن امتداد القصة لمئة عام في الوراء، يجعلها تعايش الكثير من الأحداث والشخصيات التاريخية الهامة، والتي استغلها الكاتب جيدًا فضمها لقصته، ومنهم سيدتان تجسدان “ريا وسكينة” بصورة مختلفة عما عهدناهما عليها في الدراما المصرية، فلم يظهرا كسفاحتين يقتلا السيدات من أجل الذهب والمال بل مناضلاتين ضد الإنجليز، وشخصيات المسلسل في حد ذاتها هم إسقاط لأخرى من التـاريخ قد تكون ذهبت طي النسيان، فنعيش التاريخ من جديد مع أبطال القصة خلال كل حلقة، ومن أعماله السابقة: “دهشة، ونوس، الخواجة عبدالقادر”.


من إخـراج: حاتم علي، الإخراج ممتاز، ويظهر ذلك بوضوح ضمن تفاصيل المسلسل والتي تؤكد أن الاهتمام بالتفاصيل كان سيد ذلك العمل والذي شمل اختيار الممثلين، أماكن التصوير، والديكورات والأزياء، المسلسل يتميز بالرقي من حيث القصة والسيناريو والإخراج، والتفاصيل تلعب دورًا كبيرًا في الاستمتاع بكل مشهد وكأنه لوحة فنية، فأغلبنا يشتاق لهذا الزمن بكل ما فيه من رسائل ورقية وبساطة الناس وجمال الأزياء، بالإضافة لأن مقارنته بالزمن الحالي يجعلك تستشعر الفارق الكبير الذي يضيفه مرور الأيام دون أن نلحظ، مع القيم والمبادئ التي ترسلها لنا الحلقات كل مرة.