“فى الفراق”

"الفراق لا يكترث للأوقات والمواعيد، فمن نمتلكه اليوم ربَّما نغدو بدونه فالتزموا الولاء والرفق..."



“في الفراق”
ألم لا يعادله ألم، وفقدان يزرع في القلب شعورًا بالخواء لغياب من بثُّوا في أرواحنا الحياة منذ الصغر، وندبات في القلوب لا تُداوى سـببها الفراق، فَعذرًا منك أيها الزمان، فلم تعد لدينا القدرة على تحمل الفراق، شعرتُ بنفاذ قدرتنا فتجملت في اختلاق الأعذار، ولكن نتيجة واحدة “الفراق”، ربما خانتنا الحياة، ونسينا أنها فانية، ولكن أدمعت أعيننا وتهشم القلب إلى فتات، فرفقًا قَليلًا بإنسان.
هناك في بيت أشبه “بالقصر” يضم عائلة كبيرة، شبَّت “فتاة” لم تكن تعرف شيء سوى أن هناك الجد، وهناك بيت العم، وهناك عائلة يجمعها رباط من نسيج الحب دائم مدى الحياة، زار الزمان هذا القصر، ومعه ضيف يقولون عنه أنه زعيم الأمراض يدعى “السرطان”، وأخذ يفرز أفراد عائلتها، حتى تمكن من معرفة مصدر قوة هذه العائلة، فاختار”الجد”، أُصيب جدها بالسرطان لم تتجاوز الثامنة من عمرها، وفي يوم -الثلاثاء- فُوجئت الفتاة بوداع جدها، لم تكن تعي كيف للمرض أن يأخذ حبيبًا لم تتشبع منه بعد، كيف له أن ينهي طفولتها، وحكاياتها مع هذا الجد، كيف له أن يكون قاسيًا بهذا القدر! كانت فتاتنا صغيرة؛ ولكن علق ببالها تفاصيل عجز النسيان والفراق على محياها، مازالت تتذكر حديثه، مازالت آذانها الصغيرة تستمع إلى صوت قرع عصاه وقت العشاء لتعلن عن ذهابه للمسجد، تتذكر جيدًا مسلسه المفضل “الليل وآخره”، وتتذكر كلماته عند غضبه منها لتشاهد “بكار”، مازالت عيونها تجود وتذرف بالدموع كلما تخلل عالمها الصغير ليلًا؛ ولكنها عالقة في الإشتياق دون رؤياه، تكمل هي حياتها تحت تأثير الزكريات، أما عن جدتها فكانت وافية في حبها، فلم تستطع أن تجعل زوجها يطيل الإنتظار، فمضى عامًا واحدًا على فراقه حتى عاد ذاك الضيف مجددًا، فاختارها لتفارق عالم الفتاة معلنةً الرحيل لعالم الجد “عالم الموتى”، وفي نفس اليوم -الثلاثاء- من نفس الشهر “يونيو” رحلت جدتها، ربَّما كان يعلم بمتاعب الجدة في الحياة من بعد جدها فأراد لها الراحة واللجوء إليه، وربَّما أراد أن يعلمنا درسًا من دروس الحياة وهو “الفراق لا يكترث للأوقات والمواعيد، فمن نمتلكه اليوم ربَّما نغدو بدونه فالتزموا الولاء والرفق…” وكانت هذه إحدى صور الفراق وأكثرهم رحمة، أراد الله الرفق بنا فأتم عليه رحمة الموت، وأتم علينا علم اليقين بأنها النهاية المحتومة، وأنها سنة وسائرة في الكون يومًا نسعد بمولود، ويومًا نشيع جنازة محبوب، وهناك فراق آخر ولكنه لا يجيد النهاية، وحدنا نستسيغ فقط قولها، ذاك الفراق الذي ينقطع فيه الأمل؛ ولكن لا ينقطع الأوكسجين عن الرئتان، لا يتوقف فيه رنيم القلب، ربَّما يتوقف عن عزف مقطوعاته بشجن، أو يتوقف عن عزف مقطوعة الهوى، ولكن لن يتوقف عن العزف تمامًا، إلا بأمره تعالى، فما هذا النوع من الفراق إلا درس حياة قاسي، لابد منه لنضوج شخصيتنا، ومعالم فكرنا، اختلفت الأقاويل والآراء حول ماهية آلام الفراق، فالبعض يرى أن أقساهم ذاك المُحتم بالفراق الأبدي “الموت”، والبعض الآخر يرى أن أقساهم ذاك الذي تُوج بمرارة البعد والإشتياق، ونتيجته المگافأة بالحرمان، كلٌ منا يراه من منظور تلك التجارب التي قدمتها له الحياة، ولگن على گل حال “رفقًا قليلًا بقلبك فسيحنوا عليك الرب قريبًا بالسگينة والأمان”.

بقلم : ولاء عبدالرحمن