عن زويل

لم يكن إلا طالبًا جامعيًا عاديًا، لولا الشغف والإصرار، والعمل الذي لم يكن ينتهي بالنسبة إليه أبدًا حتى بعد إنتهائه منه.



  1. كان جليًا بسنوات من العمل الدؤوب يوميًا، والإنكباب على أبحاث لا نهاية لها بين أحضان معامله بالخارج، وبين ذلك صلته الوثيقة بطلابه في الجامعات التي عمل بها أن تصنع منه تمثالًا جليلًا في أعيننا كأطفال، ومثالًا تسعى عقولنا ومجهوداتنا كل يوم كشباب أن تتبع آثاره الضخمة.

لذلك إن توجب عليّ أن أقوم بتعريفه، فلن أعرفه على أساس شهر ميلاده ولا سنة مولده ولا مكان نشأته ولا حتى الكلية التي تخرج منها؛ لأن هذا إن كان يهم، فهو لا يهمنا عندما نذكر نوبل أو الفيمتو ثانية أو الكتب التي ألفها أو الـ(31) جائزة التي حصل عليها.
فـ “أحمد زويل” عندما قرر أن يكون “زويل” العالم والدكتور في تخصصي الكيمياء والفيرياء، لم يكن مطالبًا منه أن يستعرض الأرقام والأسماء بشهادة ميلاده. أو حتى الجلوس أمام كاميرا ما والتحدث بجدية عن كم الساعات التي قام بالدراسة خلالها والكيفية التي درس بها مواد الثانوية العامة ثم التصريح بفخر عن أرقام هي في الحقيقة لا تمس لزويل بصلة.. لا، ليس الأمر كذلك.
لقد كان طالبًا جامعيًا عاديًا شغف بمجال العلوم شغفًا بالغًا، فتميز به حتى نال درجة الماجستير في علم الضوء، وبعدها جاءته منحة دراسية سافر بها للولايات المتحدة الأمريكية لينال الدكتوراه هناك في علم الليزر. وفي الفترة التي تبعتها دأب على عمل الأبحاث والتدريس حتى صار رئيس قسم الكيمياء في جامعة “كالتيك”، وتتالت بعد ذلك نجاحاته وتكريماته حتى حصل على تاجه الأكبر “نوبل” في الفيمتو كيمياء عام (1999).

وعلى الرغم من القدرة العقلية الفذة لـ “زويل” والتي لم تمكنه من حصد أكبر جوائز العالم فقط، بل أكبر من ذلك إحترامهم أيضا، إلا أننا ندرك أن هذه القدرة العقلية لم يتحصل عليها إلا بسنوات من العمل الدؤوب، والبحث، والملاحظة، والتدريس وسط بيئة عملية ملهمة، وهذه النقطة بالتحديد هي ما تشعل في صدورنا شعلة الأمل تجاه الأمور التي نسعى إليها، وتوصلنا لحقيقة أننا نعيش وسط ملايين باستطاعتهم أن يتحولوا إلى “زويل”.
فكما قلت مسبقًا عنه لم يكن إلا طالبًا جامعيًا عاديًا، لولا الشغف، والإصرار، والعمل الذي لم يكن ينتهي بالنسبة إليه أبدًا حتى من بعد إنتهائه منه، وأهم من ذلك البيئة التي استطاعت أن تحتضن أفكار وأحلام هذا الرجل حتى صارت حقيقة، صار على آثارها عالمًا يحتفي به الغرب والشرق.
ويستحضرني هنا أحد أقواله الهامة التي تذكرني طوال الوقت بحقيقة قد نكون غائبين عنها، لكننا على أرض واقعنا نعايشها “الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”.
لقد مات “أحمد زويل” في عام (2016) بالولايات المتحدة ودفن بمصر، لكنه مازال حاضرًا بيننا بإنجازاته وأقواله التي ليست إلا براهين على آثاره التي خلفها لنا، لنخطو عليها حتى حتى نكاد نعبر الحدود فيها، ثم نتفكر ونسأل أنفسنا “ماذا لو؟!”

بقلم: إيمان عمّار.