خبايا نفس

أحيانًا تبتر الأنامل وتبقى الأكف مربتة بهدوئها المعتاد، فتُفقد لذة اللمسات...



أحيانًا تبتر الأنامل وتبقى الأكف مربتة بهدوئها المعتاد، فتُفقد لذة اللمسات، كنت أظن العزلة اختيارًا نوقع أنفسنا في ظلامه، لكن وصلتُ لمحطة توجب فيها العزلة كحاجة من احتياجات نفس بشرية ضعيفة -مهما قاومت-.

في الخفاء قد تتجلى كل الحقائق وتنزع سترها، أو تتلبس الأوهام جسدًا -كأداة- تطلقه في جنات أحلام اليقظة، تدفع العقل الباطن لترسيخ ما لا يوجد ولن يوجد، ثم يحدث تغير طفيف -مسبوق التوقع- في مجرى الحياة، تتغير على إثره مجريات كثيرة -غير مسبوقة الحسبان-، تتطور معها سمات نفس هي أقرب للقيد منه إلى الحرية، معادلة من شأنها خلق متاهات يدرك فيها الإنسان عن نفسه كل جديد لم يكن يراه.

عجيبٌ أن كل منا به من الخفايا ما لا يعلمه هو ذاته، تقرُّه تجارب حياته، فكل منا يا رفيقي يرى نفسه مثاليًا بما لا يجد مجالًا لأي شك أو تعليق -وهي فطرة بشرية يحافظ عليها السذج-، ثم على حين غرة تتمكن منه سوءاته الخفية فتوقعه في خطأ يطعن في مثاليته الكاذبة، فيقف أمام نفسه عاريًا ملطخًا ببشريته، يتعايش بعد تبعات من السقطات مع أنه من جنس بني آدم، ويتقبل -جزئيًا- أنه خليط من الملائكة والشياطين، قد تغلبه ملائكيته إن غذّاها -وفيه من المجاهدة كثير-، وقد يطغى عليه شقه الأسود إن نصره -وفيه من السرعة واليسر عجيب-.

في النفس البشرية كل شيء يحمل معنى من معاني ضده، كل محب للوحدة يأنس بالناس، وكل كثير الخلطة يفر منهم إلى عزلته الصغيرة، كل شجاع شجاعته فيها نفثة خوف، وكل جبان تحمله شجاعة ليعترف بأنه جبان، وكل محب يكسره كره للفراق، وكل كاره يشمله حب للخلاف، وهكذا دواليك.

ثمة محطة تنتظر كل نفس تسير في اتجاهها الصحيح تحملها على أن تقبل كل تطور في نحت سماتها مادام غير مؤذيًا، وتسمح لبشريتها أن تمارس دورها ما لم تتعدى أخطاؤها نفسها، تترصد فيها لجهلها فتنقض عليه وتجاهد للخلاص منه، تقف بكل الرضا قاتلة كل قلق أحال أملها حلمًا ورديًا يُسخر منه.

يا رفيقي، الدنيا رحلة لا أقصر منها، جبلت على الصراعات، سيدهم وكبيرهم صراع البقاء، من دونه لا طعم للحياة ولا لذة، وتبعًا له تتزين الدنيا بالمصائب والابتلاءات -وما ذلك عليها بغريب-، فاعلم أنه في الدنيا ثمة نعيم غائب في ثنايا الابتلاءات، لا يفطنه أي أحد، فلا تقنط وانصح لنفسك وارفق بها، وألزمها ولا تغلب طاقتها، وقف أمام نفسك وقفة الصادق المنصف، فالإنصاف عزيز.

مقال: سارة القاضي.