الزاهد المرغوب

وهل في زمن طغيان المادة لازال للحب مكان؟ هل مازالت القلوب تنبض حقًا، أم أصبح الحب مجرد ادعاء؟!



نتوه في البحث عنه، لكنه يأبى المجيء، نبذل جهدًا وأيامًا وعمرًا؛ رغبةً في الحصول عليه، لكنه يترفع عمن طلبه ويذهب لمن لم يبحث عنه قط، يخطفه من عتمته ووحدته؛ ليُريه العالم على حقيقته بعدما كان يراه بنصف عين، ربما نُرهق ونقضي عمرنا، بل ونموت ولم نحصل عليه؛ فهو لا يحب الباحثون عنه ولا المتلهفون عليه، لكنه يُقذف في قلوب من أنكروه، من قالوا قلوبنا غلف؛ ليريهم مدى ضعفهم وصغرهم أمامه وكم أنهم لا يملكون زمام أمورهم.

هو أبعد ما يكون عنا وفي الوقت ذاته أقرب ما يكون، فهو يحيطنا طوال الوقت، لكن لا تدركه أبصارنا، ربما بحثنا في كل الأماكن إلا مكان وجوده على الرغم من أنه مضيء كالقمر في تمامه، لكن لا يراه سوى من احتوى قلبه نجوم الهداية، لكننا أبعد عن أن تحوي قلوبنا نجومًا، كما أن رغبتنا الجياشة فيه أزادت حماسنا، فهممنا على وجوهنا بحثًا عنه في الصحراء بينما هو على بعد خطوات؛ لذلك لا تبحث عنه فهو سيأتي من تلقاء نفسه.

ولكن المشكلة تكمن في متى سيأتي؟ وإلى متى سيتركنا هائمين على وجوهنا؟ وهل سينقضي بنا العمر وحيدون على شط الغرام ننتظر دورنا؟ ننتظر خفقة القلب التي ستأخذنا لعالم آخر لم نره قط عندما نرى الحبيب للمرة الأولى، فالحب لا يحتاج لوقت بل هو من اللحظة الأولى، النظرة الأولى، الخفقة الأولى.

إنه الحب…نعم إنه الحب، كلمة من حرفين قادرة على أن تقلب كيانك بل قادرة على أن تغير مصير الأمم، إنه أعجب ما في الكون فهو ينبع في عز الحرب، ويشرق في عز الدمار، يعشق التحدي ويختار بعناية أي قلوبٍ يسكن؛ فبصره حديد حيث يرى شعاع الضوء الخفيت في قلوبنا رغم كل ما فيها من ظلام، فهو يُولَد في القلوب المضيئة أو على الأقل التي تمتلك بذرة ضوء، ولا يقبل بأقل من ذلك أبدًا.

وياويلك إذا سكن قلبك فستتوه وتتوه وتتوه وتظل تائهًا أبد العمر، ولن تستطيع أن تملك زمام أمرك مرةً أخرى، فقد قُضِي الأمر واستوت على أن تكون عاشقًا ولهانًا لا ينبض قلبك إلا برضا المحبوب، ولا تبصر عينيك سواه، وكأن الكون بهول حجمه وتعدد مخلوقاته قد اقتصر عليه والطبيعة بجمالها قد اختُزِلت في عينيه وأنَّ حنان العالم قد اجتمع بين ذراعيه.

هو زاهد ومترفع فلا يأتي سوى مرة واحدة في العمر، كما قالت الفنانة شادية:- “ده القلب يحب مرة مايحبش مرتين”، هو يحرر الروح ليبلغ بها عنان السماء، هو يحول ندوب الروح لزهور فواحة كلما خفق قلبك فاح أريجها، فاعلم أنه إذا لم تشعر بهذا فإنك لست بعاشق إنما واهم، فلا تتعجل الحب وتدخل في قصص تختزل روحك وتُجفي مشاعرك، ولا تستجدي القلوب تحت شعار الحب، فلا تذلل في الحب وإنما كبرياء.

لكني أتساءل كيف مع زهد الحب وترفعه نجد من حولنا كل قصص الحب هذه، هل قد زار الحب حقًا أصحابها؟ أم أنهم يتوهمون ويخادعون وما يخدعون إلا أنفسهم!
وهل في زمن طغيان المادة لازال للحب مكان؟ هل مازالت القلوب تنبض حقًا، أم أصبح الحب مجرد ادعاء؟!

بقلم: فاطمة عاصم.