“ما لم أكن أعرفه”

ولعل هذا المشهد يستوقفكم كما استوقفني، وقفة تأملية أكثر منها تعجبية، وقفة لمعرفة السبب واستنباط الحجج، لكن النظر إلى أرشيفه الغزير قطع عليَّ التأمل، فكان بمثابة الحجة القاطعة والسبب المبين، فحتمًا أرغمته الموهبة بسحرها



ربما زارك الخوف -ذات ليلة- مكبلًا بقيودٍ من العجز وضعف الإرادة، الخوف من موقف ظنناه عظيم، وظرفٍ حسبناه لن يمر، الخوف من العقبات وتبعاتها من العقوبات، فقتلنا الأمل ليحيى اليأس متعملقَا في النفوس، فأصبحنا نخشى التجاوز ونهاب المواجهة في لحظات قد تكون الأهم دون أن ندري.

ما بالك بشخص لاحقه الفشل منذ الخطوات الأولى إذ رسب ثلاث سنوات في الصف الأول الإبتدائي، لكنه عاد بعد ذلك ليثبت تفوقه خلال مراحل التعليم المختلفة إلى أن ألتحق بكلية الطب ثم “تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن” فيمر بوعكة صحية خطيرة تضطرته للتوقف عن الدراسة لمدة سنتين بعد أن كان في السنة الثالثة بكلية الطب، وكان لهاتين السنتين عظيم الأثر وجُلَّ الأهمية في تكوينه الثقافي والفكري إذ عكف فيهما على المطالعة والقراءة في أمهات الكتب من شتى العلوم، حتى تفجرت موهبته الفريدة وشكل نجاحه العظيم إنه د/مصطفى محمود.

عندما يترامى ذكر اسمه على مسمعي، يتبادر إلى ذهني سيرة ذاتية لا تتعد السطرين، ربما يأج سطرها الأول بمسميات وظيفية كثيرة كـ(كاتب، طبيب، مقدم برامج)، وسطرها الثاني يحمل وصف لشخص يرتدي نظارة ويجلس في وقار خلف شاشة التلفاز يتحدث بتؤدة كأنه المتصوف الزاهد المتفرغ للتأمل في بديع خلق الرحمن، فلا يتوقف لسانك عن التسبيح بينما تشاهد برنامجه الشهير “العلم والإيمان”، وعندما تطلب الأمر كتابة هذا المقال، ذهبت للقراءة والبحث لأجد نفسي أمام شخصية أكاد أجهلها من كثرة المعلومات التي تزخر بها الشبكة العنكبوتية، نعم لم يكن الأمر سطرين فحسب يا سادة، وها أنا الآن أكتب “ما لم أكن أعرفه” عن د/مصطفى محمود، ولد في الـ (٢٧) من ديسمبر عام (١٩٢١) بشبين الكوم محافظة المنوفية، تخرج من كلية الطب ليتخصص في جراحة المخ والأعصاب، بدأ الكتابة في الصحف أثناء دراسته مثل “روز اليوسف، و”التحرير” فحول الهواية إلى احتراف، كان له عمود ثابت في “روز اليوسف” بعنوان “اعترافات عشاق” الذي جمعت مقالاته بعد ذلك في كتاب، كان قد حصل على عضوية نقابة الصحفيين بجانب عضوية نقابة الأطباء، لكن صدر في عهد جمال عبد الناصر قانون يقتضي بمنع الجمع بين وظيفتين، فتخلى عن عضوية نقابة الأطباء ليحتفظ بعضويته في نقابة الصحفيين، ولعل هذا المشهد يستوقفكم كما استوقفني، وقفة تأملية أكثر منها تعجبية، وقفة لمعرفة السبب واستنباط الحجج، لكن النظر إلى أرشيفه الغزير قطع عليَّ التأمل، فكان بمثابة الحجة القاطعة والسبب المبين، فحتمًا أرغمته الموهبة بسحرها، والكتابة بعشقها؛ ليترك للمكتبة العربية إرثًا ثقافيًا بقدر ما اكتسبته الموهبة من العلم واستوعبته القدرة الإبداعية.

نحن أمام شخصية لها باع طويل في كل ضروب الكتابة، وألوان الأدب، هو الكاتب المسرحي صاحب أهم المسرحيات التي مُثِّلَت على المسرح مثل “الإنسان والظل”، و “الشيطان يسكن في بيتنا”، هو الروائي صاحب “المستحيل”، و”الأفيون”، و”العنكبوت”، وغيرها، وهو الرحالة الذي جاب أنحاء العالم ليسطر رحلاته في عدة كتب كـ “حكايات مسافر”، و”مغامرة في الصحراء”، والتي حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات، هو الناقد السياسي الساخط على سياسية إسرائيل في “شعارات وهمية”، هو الداعية الإسلامي والباحث في علوم الدين صاحب أشهر الكتب في الدراسات الإسلامية كـ “لغز الحياة”، و “القرآن محاولة لفهم عصري”، و”الإسلام في خندق”، كما عُرف عنه انتقاده للفكر اليساري والشيوعية والبهائية، مؤلف كتاب “رحلتي من الشك إلى الإيمان” هذا الكتاب الذي ذاع صيته والذي يتلخص مضمونه في جملة قالها في مقدمة الكتاب استوقفتني “إن العلم الحق لم يكن أبدًا مناقضًا للدين؛ بل إنه دال عليه مؤكدًا لمعناه”، وعرف هذا الكتاب بالأسلوب الفلسفي وكان فيه العلم بمثابة المبتدى للنظرية الفلسفية، والمنتهى لليقين والتوحيد.

رحل عن عالمنا في (٣١) أكتوبر عام (٢٠٠٩) لتظل كلماته باقية على رفوف الإبداع شاهدة على موهبة متميزة وحالة استثنائية مميزة.

هكذا شهدت حياة د/مصطفى محمود الكثير من محطات الفشل المرير والعقبات المضنية حيث توفي والده عندما كان شابًا، ولم ينجح في زيجاته الإثنين اللذين انتهيا بالطلاق، ولا أجد أبلغ من جملة قالها على لسانه في سيرته الذاتية لتصف أهمية الألم والمعاناة في حياته إذ يقول:- “الألم هو الذي صقل أخلاقي وجلا معدن نفسي، وفجر الحس الديني في داخلي، وكان أداة التنوير والصحوة والتذكير بالله”.

 

كتابة: ياسمين السيد.