“أن تكون إنسانًا ولا تدعي”

فما هو في جوهره إلا إحتفاءا بالإنسانية التي منحنا الله إياها، والتي صارت تتجسد سياسيا بالدول في التعليم والصحة والحياه الكريمة..



وطننا الذي يقع في قارةٍ سمراء، يشتهر معظم ساكنها إما بالفقر، وإما بالجوع، أو بمعنى أصح تعبيرًا “مجاعة”، وإما بانتشار الوباء والنِزَاعات، لن يهتم مطلقًا بشعارات تطلق لمنظمات حملت على عاتقها راية أن تدافع عن حقوق الإنسان، والمنظمات التي تكرم مدشنيها من دول أخرى لا تشكو فيها الكلاب من البراغيث، لن تكون حمقاء وصغيرة إلى الحد الذي يدفعها لتخلص رجلًا ما من نزاع يمكن أن يسبب لها ورطة، فليذهب الرجل إلى الجحيم، ولتذهب حقوق الإنسان ذات نفسها إلى الجحيم لو اشتبكت أيديهم بمنظماتهم، فما يجب أن يبقى وما يخلد هو ذلك الاسم اللامع في واجهة مدشنيه، تلك هي الصورة في حقيقتها إذا ما أردنا أن نتعرض لها دون أي تمويه أو محاولة للف والدوران؛ ولذلك لن أكون ممن يحتمون براية لامعة إذا ما لمعوها بمناشفهم، ولن أتهم الكثيرون ممن صار لديهم حساسية من هذا النوع من الشعارات؛ بأن أفعالهم تنافي ما ينص عليه حقوق الإنسان حتى تكاد أن تدينهم، لأن هذا النوع من الحديث أيضًا قد يخلق خلافات أكبر من خلافات في الفكر بين فئة وأخرى، لما يحتفظ به عقلنا من خلفية جامدة لهذه الكلمة التي تعود إلى المنظمة التي أطلقتها الأمم المتحدة، ودخلت العديد من الدول حتى صارت منصة تتحدث باسم كل من هو بشر ويبحث عن الحقوق، والتلفظ بمثل هذه العبارة لأحد بيننا لا يثير في الذهن إلا اتهامًا مستفزًا لا يغني من جوع، ولذلك إذا أردت أن تشفي فضولك من القراءة حتى تتأكد من أن هذا اليوم ليس بالأهمية، فأنا أسير بك إلى هنا من هذا الطريق حتى أؤكد لك أنه كذلك، فما هو في جوهره إلا احتفاءً بالإنسانية التي منحنا الله إياها، والتي صارت تتجسد سياسيًا بالدول في التعليم والصحة والحياة الكريمة، لكن بما إننا إحدى شعوب العالم الثالث حيث الواحد فيها إن كرم بالفوز بحق سيشقى بغياب الآخر، صاروا يمنون بها علينا -لبعضنا أقصد- ويتجسدون بها أمام أعيننا في عطاياهم، والسئ في الأمر أننا لن نتحول بين ليلة وضحاها، لنصبح إحدى شعوب الدول الأوروبية التي تتيح للفرد فيها أن يشتكي إن قام جاره بإزعاج رأسه، لكن الأمر الجيد في صورتنا هذه وهو ما وددت التحدث عنه من البداية وما يمكن أن يحدث المفارقة الحقيقية التي نسعى لرؤيتها، هم أولئك الناس الذين يلمسون بأفعالهم القلوب بيننا عندما يقيمون الفرق، وينظمون الخطط لهدف واحد فقط هو من أجل مساعدة الآخر مهما بلغت حاله إزراءً، يجمعون أموالًا ويعالجون مرضى ويوفرون معلمين وتعليمًا، بتنا نرى أناس يذهبون إلى أشد المناطق فقرًا ليقدمون للغير مقومات حياة جديدة، والغريب أنهم ليسوا ذوي غنى مثلًا أو نفوذ ما يهيء لهم القيام بأمور كهذه، لا في الحقيقة وأنا شخصيًا لي علاقة بالكثيرين منهم حتى أنني قد صرت من بين إحدى هذه الفرق التي يطلقون عليها اسم “جمعيات” أو “كيانات” مؤخرًا، إن كل ما يسعون إليه هو الآخر وذلك هو ما يكلل كل مجهوداتهم بطيب الأثر والبسمة والنجاح، ولو صدف ووقعت عيناك على إحداهم يومًا فلن ينتابك شعورًا إلا بالإعجاب تجاهم، لما يمثلونه من جزء يبعث بالأمل والحياة في واجهتنا التي اهترئت وصارت بحاجة إلى إعادة تشييد.

هناك مقولة جميلة المعاني لـ”توماس كارليل” يقول فيها:- “ما نحتاج إليه حقًا، المزيد من العطاء لمن هم في حاجة إلينا”، فلو حيينا جميعنا في ظل وطن سواء كان عالم ثالث أو خامس تتجسد “حقوق الإنسان” في عينه بأمور كهذه، فلن تكن هذه الكلمة في وجداننا إلا رحمةً وحبًا وإيمانًا بأن أيدينا ما خلقا انثان إلا من أجل أن تكون إحداهما لمساعدة الآخر.

– إيمان عمار.