“جارة القمر”

"وطنية هي من الطراز الأول؛ حيث رفضت منزلها حينما حلت الحرب بلبنان؛ ولم تغير موقفها حتى بعد أن فقدت ابنتها (ليال)"



“جارة القمر”
هي (نهاد حداد) التي وُلدت بحارة (زقاق البلاط) في بيروت لأسرة فقيرة الحال، اكتشفها الأستاذ/ محمد فليفل -أحد الأخوين فليفل اللذان لحنّا النشيد السوري- في حفلة مدرسية، ورغم رفض أبيها في بادئ الأمر، لكن نجح فليفل في اقناعه بحجة الغناء الوطني؛ فبدأت في الإذاعة اللبنانية، ولكن انطلاقة فيروز الحقيقية بدأت عند التعاون مع الأخوين رحباني؛ ليُكونوا سويًا ثلاثية أضفت على الفن لونًا جديدًا، إضافةً إلى أن أصبح (عاصي الرحباني) زوجها فيما بعد؛ فصارت قصة نجاح ممتزجة بالحب. قدموا أكثر من (٨٠٠) أغنية كل منهم لاقت رواجًا كبيرًا، وعلى الرغم أن الأغاني الطويلة كانت سائدة في ذاك الزمن؛ إلا أن فيروز قدمت أغاني قصيرة ذات معنى قوي رغم بساطة الكلمات.

ظلت أغاني فيروز هي الأكثر مبيعًا على مدار تاريخ الغناء العربي ولم ينافسها في ذلك إلا (أم كلثوم)، لم تقتصر على تقديم الأغاني فقط بل أيضًا المسرحيات والأفلام والبرامج الغنائية، أقامت حفلات في معظم المدن العربية، ونالت الجوائز والأوسمة من مختلف دول العالم، لم تلزم لونًا واحدًا من الغناء، ولم يستطع أحدًا أن يُحدد طبقات صوتها؛ فهي ذات صوت فريد خُلق ليسحر الناس ويأسر القلوب، وصفوا صوتها بــ(الصوت الملائكي)، ويرتبط مع الجمهور بالصباح والقهوة لما فيه من مزيج للرقة والهدوء والحماس بما يجعلها أنسب بداية ليوم جديد.

وطنية هي من الطراز الأول؛ حيث رفضت مغادرة منزلها حينما حلت الحرب بلبنان، ولم تغير موقفها حتى بعد أن فقدت ابنتها (ليال) بعد تعرض منزلها لقصف صاروخي، غنت للقدس (زهرة المدائن)؛ لتعلن تمسكها بالقضية الفلسطينية، ورغم ديانتها المسيحية غنت لمكة (غنيت مكة)، وتظل فيروز حتى يومنا هذا محتفظة بمكانتها وأغانيها حية في كل مكان؛ بسبب جمال صوتها في المقام الأول، علاوة على الطابع المميز لأغانيها الذي يتسم بالرقي، ولاحتواء أغانيها على قصص تمس كل إنسان، فقد غنت للحب وللأوطان، وللثورة وللمدن، وللأم وللأطفال، وللحنين وللغربة، ولفصول السنة وللطبيعة.

علمتنا أن (إيه في أمل)، وإذا انقطع الحديث نبدأ بــ(كيفك أنت)، وكيف تكون التضحية في (بكتب اسمك)، ومثّلت الوحدة في (أديش كان في ناس)، وأثبتت بفنها أن أنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود في (أعطني الناي وغني)، وجسدت العروبة المنسية؛ فلم تنس مصر في (شط إسكندرية)، ولا سوريا في (إلى دمشق)، ولا العراق في (بغداد والشعراء)، قال عنها الشاعر الفلسطيني/ محمود درويش: “هي الأغنية التي تنسى دائمًا أن تكبر، هي التي تجعل الصحراء تبدو أصغر، والقمر يبدو أكبر”.

مقال “سارة كمال”