“أن تحيا كطفل وتموت كيرقة”

"لا أحد...لا أحد عاش الحياة بكل مقدرته على الحياة، بقدر شخصين: الطموح، والمحِب".



بدايةً بحزننا مع نهاية وقت اللعب أو انتهاء الأيس كريم ونحن أطفال، مرورًا بانتهاء علاقاتنا بزملائنا في الفصل، ثم علاقاتنا بأصدقاء العمر ووصولًا لانتهاء علاقاتنا العاطفية، ثم دائماً هناك النهاية ذات الوقع الأقوى… كل ذلك يقول بصوت عالٍ أن الحزن فطري مع النهايات.

وعنف تلك النهايات يتناسب طرديًا مع قوة العلاقات؛ التي لا ترتبط بطولها بقدر ما ترتبط بما تمثله، بمقدار ما تحمله من كلمة “حب”؛ لذا قد تجد إجابة شخص عن سؤال “ما هو الحدث الذي غير حياتك للأبد؟” يوم كُسِرت عجلتي القديمة، أو يوم انتقالنا من بيتنا القديم -رغم أننا كنا ننام فوق بعضنا- لكن الضحك هناك كان أعلى، والحياة هناك كانت أمتع، وهو السبب نفسه في أن تجد شخصا لديه (فوبيا) من الصداقة رغم كونه لا يخشى أن يدخل علاقة عاطفية وتنتهي؛ ذلك أن أقسى حدث تعرض له هو فقدانه لصديق عمره.

التفاصيل مختلفة ومقادير الحب مختلفة، والكل يخشى النهايات بنسب مختلفة، خاصة النهاية الأقوى… الموت.

لكنها المرة الأولى التي ألاحظ فيها أن قوة وقع خبر موت شخص غريب قد تتقارب مع وقعها على قريب لذاك الشخص!

يعني أنني قد أتأثر لموت شخص غريب كما لو كنت قريبًا منه، وهذا بحالات معينة، فأما الحالة التي أمر بها حاليًا هي موت شاب صغير لكن مؤثر.

اكتشفت أنه لا يمكن منع وقع صدمة سماع خبر موت شاب بسن صغير وصحة وطموح، يعني بجملة مكررة “كان يعيش أجمل سنين عمره”، ولا يمكنك أن تمنع نفسك من تخيل أحلامه ومشاعره، وحياته التي كان يحاول بناءها ويجتهد في حل المشاكل التي تقف بينه وبينها.

ومن ردود الفعل اللاإرادية على خبر كهذا أن تتخيل كل تلك التفاصيل التي كانت تخص شاباً غريبًا لم تلتقِ به يومًا، أو ربما التقيتما وتلاقت أعينكما حتى دون أن تعي ذلك، لكن لم يكتب لك معرفة أي تفاصيل عنه، ورغم ذلك، يبقى تخيل التفاصيل وحده مؤلمًا، أليس كذلك؟!

الآن صار ممكناً أن تدخل “صفحته الشخصية”، وتقرأ ما كتبه هو بنفسه لسنوات يومًا بيوم، وتشاهد صوره، وتعرف الكثير عن شخصيته، وعن أوقاته السعيدة والأخرى الحزينة، وعن أحلامه، وعن مشاعره. صار ممكنًا أن تجمع الكثير والكثير من التفاصيل الحقيقية عن حياته.

بل وإن لم تستطع الوصول إلى صفحته الشخصية، فستجد دائمًا أصحابه وأقربائه وأولئك الذين جمعهم به ولو موقف واحد جميل يتحدثون عنه وعن طموحه ونشاطه واجتهاده رغم كل شيء صعب، ورغم إنه واجه الكثير من الإحباطات والعقبات التي يواجهها الجميع فتدهسهم وتقتل طموحهم.

تسمع وتقرأ عشرات القصص وأحيانًا المئات، ولا يسعك إلا أن تفكر دون إرادة منك: “ليته حاز وقتًا أكبر ليحقق حلمه”، أو “لماذا كان على حياته أن تكون بهذا القصر؟”، أو “كم كان سيصبح سعيدًا لو تحققت أحلامه؟”، أفكار بديهية وتخيلات منطقية، تقودك بالنهاية إلى بئر من الحزن الشديد على أنه لم يأخذ فرصته، والخوف الشديد من أنك لن تأخذ فرصتك.

يمكنك أن تحمل دائمًا نفس الأفكار والانطباعات عن حالات الموت المشابهة، ويمكنك أيضاً أن تنتبه أخيرًا -مثلما انتبهتُ أنا أخيرًا- إلى أنه بهذا العالم هناك حقيقة أخرى بجانب الموت:

“لا أحد… لا أحد عاش الحياة بكل مقدرته على الحياة، بقدر شخصين: الطموح، والمحِب”.

وما الطموح إلا حب، وما الحب إلا طموح.

وستفهم أن ذاك الذي غاب عاش حياته كما ينبغي، وربما دون أن يدرك ذلك، دون أن يدرك أنه يعيشها بكل قوته وكل شبابه، وربما عاشها من أول لحظة لآخر لحظة، لأنه عاشها كطفل، طفل يطمح لأشياء هي له كل الحياة، والسعي لها -على قدر صعوبته- يعني الحياة. وأن العقبات بينه وبينها التي لم تنجح في إيقافه يومًا، رغم أنها أتعبته وأنهكته وأبكته -ربما لأيام- على صدر أقرب الناس إليه، حتى تلك العقبات كان يعرف بداخله بعيدًا وعميقًا أنها تزيد الحلم لذةً وتزيد الحياة معنىً.

صحيح أنه لم يصل بالنهاية، لكنه عاش الحياة المكتوبة له للنهاية، على عكس مليارات البشر بين يائسين من أول لحظة، وبين ضيقي الأفق ومعدومي الأحلام الذين لن يعرفوا أبدًا معنى الحياة، والسنين ستبقى تمر عليهم كأنهم على مقهى لا يبرحونه، ولا يمرون هم بها وكأنها مغامرة سحرية بكتاب للأطفال.

وفي هذا بعض العزاء للغرباء، وابتسامة على وجوه الأقربين، وإن كان “كلّ ما في الأرض من فلسفةٍ… لا يُعزّي فاقِدًا عمّن فقد”، كما يقول إيليا أبو ماضي.

لكن هذا لن ينفي حقيقة أنه دائمًا سيبقى بأيدينا أن ندعو لهم، وستبقى بقلوبنا دائمًا تلك الأحاديث التي لا تنتهي ولا تتوقف لحظة بيننا وبينهم، تلك الأحاديث التي لا تملك قوة ولا منطقًا أن تحرمنا أمل وصولها إليهم، والتي لها كامل الحق في أن تندفع من ألسنتنا بهمسات أحياناً في وحدتنا رغمًا عنا… ففي ذلك الأمل وحده يكمن كل نصيبنا من العزاء.

إلى شروق محمد.