” ذكري مولد خير الأنام “

"وُلِدَ الهُدَى فالكائناتُ ضياءُ ... وفَمُ الزَمَانِ تَبسم وسناءُ. الروحُ والمَلأ المَلائِك حَوْلهُ ... للدِينِ والدُنْيا بِه بشراء."



كلماتُ الشعرِ المشتاقة زادتني حنينًا وصبابة، يطول الشعرُ وتُنظم القصائد وتبقى قوافي الشعر عاجزة عن بلوغ محاسنك، ولم لا وقد بُعثتَ لتتممَ مكارمَ الأخلاقِ. الشمس تقسو بحرارتها لتخلف بمكة نهارًا قائظًا، أشباح الظلام تخيفك بصوت أغلالها المقيدة لرقاب البشرية، صحراء خاوية صلبة بجبالها الجرانيتية كصلابة طغاة ذاك الزمان، الرياح ترتطم بأشجار النخيل وتتلاحم مع أصوات عويل الذئاب، الإنسانية مُهانة، والقسوة استبدلت الرحمة، هكذا كان حال مكة قبل أن تدرك الشمس، كم كان ضوؤها خافتًا! ويكتمل ضوء القمر ويصمت صفير الرياح في أودية رهاط وليث، ولا تجد الذئاب مأوى، فتبدلت الرياح العاتية بنسيم ينشر عبق الرحمة من أم القرى إلى العالم أجمع.

“وتَنَفْسَ الصُبْحُ الوَضِيء فلا تسَل … عنْ فَرْحة الأغْصَانِ والأشجار. غَنّتْ بِواكِيرُ الصباحِ فَحرّكتْ … شَجْو الطيورِ ولهفة الأزهار.”

غنت لمَولِد المصطفى الأشجارُ، وطاف النسيم كصحوة الأسحارِ في يوم الإثنين (١٢) من ربيع الأول لعام (٥٧١) مـ، فنعمت الإنسانية وهنئت البشرية، ومُنح الكون الرحمة والحرية، رحمة شملت جميع المخلوقات، رحمة استشعرتها تلك الغمامة؛ فشرفت بظلها ولمسها ذلك الجذع فبكى. بعثك الله لتُحيي النفوس بعد أن وئدت برمال الجاهلية، هديت الكون بعد أن كان يتخبط ضلالًا، وبنورك انقشعت الظلمات؛ لترشدنا إلى دروب الحق والهداية، وكيف لا ونورك قمريّ، بل نورٌ من هَدي الرحمن، ورحمتك هديته -جل وعلا- للأكوان، فلم يضل بعدك سارٍ، ومن أين الضلال وقد أرشدته بدستور من رب السماء، دستور أرشد السالكين وأنار وديان مكة بعد أن أظلمت.

“هَلّ الهلالُ فكيف ضِلُ الساري … وعلامِ تبقى حيرةُ المحتار. ضَحِكَ الطريقُ لسِالكيْه فِقل لمن … يلوي خُطاه على الطريقِ حذار.”

تمر القرون وتنطوي صفحات الزمان لكن ذكراك لا تنطوي ولا تُنسى، وكيف تنسى وأنت حي في قلوب الذاكرين، ذكرى مولدك تغرقنا في الشوق كما فعلت مع أحدهم في إحدى ساحات الحسين عندما وقف متأملًا الصخب في ذلك الحي المحتضن للأزهر الشريف بأصالته وخان الخليلي بعراقته، تتصاعد رائحة البخور مع الأصوات إلي السماء في ملحمة غريبة لكنها متجانسة وكأن الدخان يرتقي ليرسم غيمة لاتلبث أن تتجمع وتتلاشي بعد أن تخترقها أصواتهم العالية، أضواء زاهية وعائلات جاءت خصيصًا للإحتفال بهذا اليوم، وعلى الطريقة الصوفية كان احتفال بعضهم، لم يكن كل هؤلاء من أتباع المذهب الصوفي، لكنها عادة سنوية تذكرهم بمولد الحبيب، فلا يفرطون في الحضور ليندمجوا مع الأصوات وروائح البخور، شباب وشيوخ رجال ونساء يطوفون ويرددون كلمات المديح.

لم يكن يعلم حكم هذا المذهب، لكنه شب ليجد تلك الطريقة ويألف هذا التجمع البشري في حيه الذي يقطنه. أغرقه الحنين في التأمل حتي انفصل عن هذا الصخب وسافرت روحه إلى أرض الحبيب، سافرت لتستقر بجوار الروضة، تشتاق والشوق يعذبها، روحه تناجي لكن صوتها مسموع بالدعاء، طلب الرحمة والغفران، طلب الرضا من الرحمن، ناجى ربه في أطهر مكان، استسلمت روحه التي أنهكها الزمان.

أحيانًا يعجزني مفترق الطريق فأجد نفسي هائمًا في أرض لم آلفها فأعود إليك تائبًا فتقبلني برحمتك التي وسعت كل شئ، تعبت من أقوالهم المضللة، سَئمت من كوني أتساهل لأُواكب التيار، أخطأت لكنني غير يائس من رحمتك فتقبل توبتي ورجعتي، فإن أعرضوا عني فلك شكوتي يا أرحم الراحمين. ثم عاد إلى مناجاة الرسول، أشتاق إليك يا رسول الله، أشتاق إلى وجهك الكريم، سأجاهد لكن أعذرني فلن أبلغ المثالية، فقط سأجاهد في زمن شاق، أشتاق إليك وأدعو ربي بشربةٍ هنيئةٍ من يدك المُطهرة، أُتوقُ إلى الري عند الحوض. قطع عليه تأمله صوت جهوريّ ربما يُصدر من مذياع يحمل ابتهالات (النقشبندي) في مدح الرسول، فسكنت روحه وشعر وكأن الصخب قد تلاشى كذلك الدخان الذي يختفي في لمح البصر وكأنه لم يكن، قطع الصفوف الملتحمة وسلك طريقه الخاص وبدأ يُردد في نفسه: “والله ما طلعت شمس ولا غربت … إلا وحبك مقرون بأنفاسي.”

كتابة: ياسمين السيد.