رفعت الجلسة

 كانت تلك أخر كلمات لفظتها الشهيدة في رسالتها المسجلة لوالدتها قبل أشهر من تنفيذ حكم إعدامها شنقاً؛ لإدانتها بقتل رجل حاول اغتصابها.



“أردتُ أن أضُمكِ حتى أموت، أحبكِ.” كانت تلك أخر كلمات لفظتها الشهيدة في رسالتها المسجلة لوالدتها قبل أشهر من تنفيذ حكم إعدامها شنقاً؛ لإدانتها بقتل رجل حاول اغتصابها.

مهندسة الديكور/ ريحانة جباري، الفتاة الإيرانية صاحبة الـ(26)عاماً، التي لم يسمع عنها الكثير من بيننا، إلا بعد إنزال جثتها عن المقصلة يوم تم إعدامها من السلطات الإيرانية.

التقت ريحانة مع مرتضى عبد العلي سربندي -ضابط سابق في المخابرات الإيرانية عام (2007)- في مقهى وطلب منها زيارة مكتبه؛ من أجل مناقشة تطوير ديكوره، بينما كان سربندي ينوي -في خطة خبيثة- التحرش بها، ومحاولة لاغتصابها الإجباري؛ مما اضطر ريحانة للدفاع عن نفسها، وأمسكت بسكين جيب، وطعنته -طعنة واحدة- في ظهره، ثم فرت من مكان الحادث تاركةً سربندي ينزف.

قُبض على ريحانة و قضت سبع سنوات عجاف في خريف طويل، تحارب طواحين سجون إيران المعتمة، الحنين لمنزلها٬ دموع أمها -أمام المحققين- لتراها ولو لدقائق٬ والأهم اختبارها لما تعلمته من مبادئ كالشرف الذي زرعته بداخلها شعلة؛ لتكتشف أنها مبادئ لا تليق بذلك العالم، تلقت فيها من جلادي نظام الملالي الإيراني؛ لإرغامها على اعترافات قسرية، أعمال تعذيب وحشية عليها، وتحرش وانتهاك لآدميتها وأنوثتها بأبشع الطرق.

وفقًا للقانون الإيراني الذي يحمي الطائفة الشيعية -التي كان ينتمي إليها سربندي- لم تستطع عائلة الضحية إثبات براءتها في الدفاع عن نفسها؛ لإيقاف تنفيذ حكم الإعدام، حيث استنكر قاضي القضية موجهًا سؤالاً إلى ريحانة: “في اعتباره الدفاع عن الشرف أمر يستحق قتل المزعوم مرتضى عبد العلي سربندي؟!” مما جعل ريحانة ترد عليه ردًا قويًا و صريحًا: “لأنك عديم وفاقد للشرف”.

البحث عن عمل وشرف- في بلاد مثل هذه- فعل موت؛ خاصة إن كانت من قِبل إنسان قُدر له أن يحمل تقاسيم لجسد وصوت و نظرة لا يتم توصيفهم إلا بكلمة واحدة “عورة”، ولكنها أبت ألا توصم عائلتها بانتهاك تلك الكلمة طوال العمر؛ ومن أجل ذلك قاومت ودافعت عن نفسها حتى طعنت من أراد اغتصابها، أبت أن تتنازل عن حقها أو تغير أقوالها، أبت ألا تكون سوى (ريحانة)؛ العطر الذي لم يكف عن الدوران في فلك فصوله الأربعة؛ ليروي حكايته للعالم٬ ويعطره برائحة قهر لم يخجل من ذبح الجمال بيد باردة.

تم تنفيذ الحكم على ريحانة و أُعدمت -شنقًا- فجر يوم السبت (25)أكتوبر لعام( 2014) في أحد سجون العاصمة الإيرانية، بينما علقت منظمة العفو الدولية أن ريحانة جباري أُدينت بعد التحقيق المعيب، وأنه لم يتم التحقيق معها بشكل صحيح.

أُعدمت ريحانة، وأعدمت معها كل معاني الكرامة الإنسانية؛ أعدمت لدفاعها عن شرفها، وصونها لنفسها، أُعدمت ولكن رفضت أن تموت بجسدها و صوتها؛ فقد تم الكشف عن وصية ريحانه الأخيرة التي سجلتها بصوتها لوالدتها قبل أشهر من تنفيذ إعدامها، رسالة تُدّمي القلب، كلمات علّها تعانق بلاغة ريحانة المنقادة إلى الموت، كتبت إلى أمها رسالة تعزية، وصية وحيدة تسمح بها لأمّها أن تتوسل من أجل تنفيذها، على الرغم أنها منعت والدتها التوسل -لأي شخص- كي تُعفى من الإعدام بكل حب للحياة و نبض لن يعرف الموت طلبت من امها قائلة: “أمي الطيبة، أكثر شيء عزيز عليّ في حياتي، أنا لا أريد أن أتعفن تحت التراب، لا أريد لعينيّ أو قلبي الشاب أن يتحول إلى غبار، أتوسل إليك أن يتم أخذ قلبي والكلى والعيون والعظام وأي شيء يمكن زرعه بعيدًا عن جسدي؛ ما أن يتم شنقي، ويعطى لشخص يحتاج إليه كهدية، لا أريد أن يعرف المتلقي اسمي، أو يشتري لي باقة ورد، أو حتى يقوم بالدعاء لي.

أنا أقول لك من أعماق قلبي أنني لا أريد أن يكون لي قبر لتأتي إليه وتحزني وتعاني، أنا لا أريدك أن تقومي بارتداء الملابس السوداء، وابذلي قصارى جهدك لنسيان أيامي الصعبة، وامنحيني للريح لتبعثرني بعيدًا”.

قالت تلك الكلمات حين خُيرت بين كرامتها وحياتها، فاختارت كرامتها، تاركًة رسالة واضحة للعالم عن طبيعة النظام الإيراني الذي يسيطر عليه رجال الدين الإيراني؛ ضاربين عرض الحائط بكل المساعي الدولية والحقوقية لتراجعها عنه، ودعت العائلة طفلتهم الصغيرة بجراج منزلهم الذي امتلأ بمحبي الفتاة، ثم ذهبوا لتوديعها بقبرها؛ حيث عادت ريحانة لتعطر تراب أحب رائحتها الزكية أكثر من عالم لم يحبها أبدًا في اعتقادها٬ ولكنها لم تشهد توديع ذلك العالم لها بالشموع والصور والرسائل بكل أرجائه، فقد رحلت مسرعة لأنها على موعد مع محاكمة أخرى، في عالم آخر لا يعرف سوى رائحة العدل.

 

أحمد صقر .