“قبل أن تنطفئ النجوم”

كنت عائدة من تلك الجامعة التي اختارها لي النصيب بمساعدة من العجز، في إحدى ليالي الشتاء ذات البرودة القارسة، رأت عيني ما تمزق له قلبي، وتجمد .أمامه فكري



“قبل أن تنطفئ النجوم”

هكذا الحياة تعلمنا وتختبرنا بمواقف لن أستنكر مدى قسوتها في بعض الأحيان، ولكن علينا الاعتراف حقاً كم هي مجزية.
شعور أشبه بـالاعتياد على رؤية النجوم في المساء، وفجأة قرار بالحبس في غرفة مظلمة حبسا انفراديا، كمغتصب لأحلامنا وآمالنا ومع معرفتنا به، وثبوت إدانته؛ قرر القاضي براءته، ومانحن سوي ضحايا لغزواته، كشعور عروس ارتدت فستانها ثم قيل لها أن عريسها تراجع رافضاً أن يكمل شعائر الزواج فوقفت عاجزة.
نعم إنه العجز؛ في الحقيقة لم أكن أعرف أن ذاك الشعور متشعب، ويمتلك الكثير من الرفاق الذين يحثهم مراراً أن يقفوا أمام كل ما نشتهيه سواء كان حلما أو رغبة أو حتى شغفا، كنت غير ملمة بهؤلاء الرفاق، كل ما كنت أدركه حقاً عن ذلك الشعور هو عجزي عن تحقيق غايتي أو هدفي الذي طالما شيدت أحلاما وراء تحقيقه.
شخصياً لم أكن تلك الطالبة التي كان هدفها أن تحمل لقب الدكتورة في أي جانب من جوانب الطب لمجرد أن يتزين اسمها بذاك اللقب خلال مسارها، على العكس تماماً أمسيت أتمنى أقل فرع من فروع الطب ليس أقل تقليلاً من شأنه، ولكن تُوضع أقل تحت سياق ما يسمى “بالتنسيق” كنت أتمنى أن ألتحق “بكلية العلاج الطبيعي” ثم ماذا؟! زار العجز أحلامي، وحينها تحول كل شيء إلى سماء مظلمة تخلت عنها حتى النجوم.
وقف ذاك العقل عن التفكير، عن الإبداع، وتوقفت تلك الابتسامة، وهرمت روح الطفولة، وتفاعل الشباب الي شيخوخة مالت إلى الوحدة والانطواء ماكثة فقط في انتظار طرقات الموت للأبواب، وهذا كان كل مفهومي عن ذاك الشعور المميت؛ ثم أتاحت الحياة وسنحت لي الأيام بالتعرف علي رفاقه.
كنت عائدة من تلك الجامعة التي اختارها لي النصيب بمساعدة من العجز، في إحدى ليالي الشتاء ذات البرودة القارسة، رأت عيني ما تمزق له قلبي، وتجمد أمامه فكري؛ طفلة لم تتعدى العشر سنوات ترتدي فانلة، جالسة القرفصاء تهمهم بكلمات لم تقتدر على إتمام معناها من شدة ما تشعر به من برودة، لم تستطع العين إهمالها كما فعل بعض المارة، والذين فاضت ملامحهم بأعمارهم، والتي تلوح بأن جميعهم يمتلك أبناء ولكن حسرةً عليهم، فقدوا الإحساس فلم يعيروها ولو قليلاً من الاهتمام، شعرت بالحزن، ولحظة أجهشت تلك العيون بالبكاء؛ ولكن زارني العجز للمرة الثانية، حقاً عجزت عن تقديم المساعدة، كل ما نالته تلك الصغيرة مني قطرات من الدموع لم تثني عليها بشيء تصحبها رسالة من الإشفاق.
حينها أدركت أن ذاك الشعور مُتيَّم بالزيارات، وصلة الرحم، فكان يتقنها على أكمل وجه، وكان أكبر بكثير من اقترانه بفرد واحد؛ فاكتشفت مؤخراً أنني لست الوحيدة التي وقع عليها الاختيار من قبل ذاك الشعور الحاد.
فمن أكثر المواقف المؤلمة التي تختبر فيها الظروف والحياة تلك العاطفة التي تنبض بداخلنا، وما تمتلكه تلك الأيادي من حيلة هي رغبة طفلتين في امتلاك دمية من إحدى متاجر الأطفال، الطفلة الاولى تحصل عليها بكل سلاسة وهدوء، فتشوب ملامحها شيئاً من البهجة والسرور مع ضحكة طفل تتمنى لو أن تلك الصيحة التي أطلقها في العنان تدوم؛ وأما الثانية فقد اخْتِيرت من قبِل العجز والحرمان؛ فاخترقت مسامعها في سن لا يجوز أن يحمل هموم تلك الجملة القاسية “العروسة دي غالية على بابا خدي الشخشيخة دي”.
كتب العجز على تلك الصغيرة أن تكتفي برؤية ما اشتهته في يد صغيرة أخرى، كتب عليها أن تكتفي بلمسها من بعيد دون الاقتراب، فاتجهت مع شد يد أبيها نحو طريقها مع اختلاس نظراتها لتلك الدمية التي كانت ستشبع رغبتها وطفولتها؛ وللمرة الثالثة زار العجز اللسان؛ فلم يستطع البوح لعرض المساعدة بتقديم تلك الدمية لتلك الصغيرة، وزار الصغيرة أيضاً في بدء عمرها، فعجزت عن إطلاق صيحة تبوح بشدة تعلقها بتلك الدمية ولم يكتفي؛ فزار ذلك الوالد الذي حقاً شعر بالعجز عن إسعاد صغيرته.
وحينها فقط أدركت معنى العجز، وأنني لست فقط الضحية؛ ولكن هناك الكثير من الضحايا الذين يستنجدون ليلاً بربهم.