“عاد الوطن وغاب البطل”

الشمس تودع الوطن متمنية ألا تشرق حتى تراه حرًا، غربت الشمس وهو يعد بلاده بالحرية ذهب ليعيد الوطن فعاد الوطن وغاب البطل.



لطالما كانت التضحية هي أسمى معاني الحب، ودائمًـا ما تتجسد في أنبل صورها وأعز دوافعها وهي من أجل الوطن. أبطال ابتغوا لوطنهم نصرًا، فحققوا مُبتغاهم وغابوا عن عرس ما بعد النصر، كان لهم احتفال في مكان آخر غير الأرض؛ فانشرحت أرواحهم الطاهرة بالشهادة بينما ترتقي إلي السماء تاركة “الحرية” هديةً للوطن.

أسماءٌ عظيمة سجلها تاريخ أمتنا بشرف ولا زال يسجل بافتخار، أبطالٌ يضربون أروع أمثلة الفداء، وأبهى صور الحب والولاء، يبرهنون في كل ملحمةٍ أن الوطن قصةٌ نهايتها سعيدة وأبطالها كل شهيد وكل جندي وكل مواطن يحمل بشرف الجنسية، قصة وطن لم تكن مشاهدها سعيدة دائما؛ فهناك مشاهد صرخ فيها الوطن وهو يتمزق احتلالًا، وطن ابتلي في نعمه فكان مطمعًا منذ البداية، ومحط أنظار مغتصبين أرادوا أن يكتبوا نهاية حزينة لتلك القصة الرائعة؛ لكن هيهات ألف مرةٍ، فـللقصة أبطالٌ رسميين بل كُتاب متمكنين من قلمهم يسطرون النهاية في كل مرة موقعين بشعار النصر.

جلس في أحب الأماكن إلي قلبه في وسط ذلك الحقل يتأمل سرب الحمام الأبيض وهو يسير خلف قائده عائدًا إلى وكره، لمح الشمس من وراء السرب وهي تودع الأفق بآشعتها الحمراء، أخذت تنحدر شيئًـا فشيئًـا، حتي توارت خلف أغصان النخيل الممتده أمام ناظريه كانت تطيل الوقوف عند أغصان النخيل وكأنها تناجية، أسلبه هذا المشهد بصره بكل مرة يجلس هنا بعد النكسة.

مشهد من كثرة تأمله تنبأ بحواره؛ فالشمس تودع الوطن متمنية ألا تشرق حتى تراه حرًا، غربت الشمس وهو يعد بلاده بالحرية ذهب ليعيد الوطن فعاد الوطن وغاب البطل. الحرب مستمرة والفداء سيل لا ينقطع فأرض المعركة دائمـًا ما تمتلئ بأبطال يقاتلون لنيل شهادة أو إنتصار ولا يوجد للهزيمة بينهم خيار، فالدفاع يبدأ بأول طلقة رصاص حتى آخر قطرة دم.

حربنا تخلت عن ثوبها التقليدي ليبدأ الأبطال في عصرنا هذا بمداهمة جيوش الظلام وتحطيم عصابات الإرهاب الأسود في مكمنه مخلدين أبهى صور التضحية من جديد، وستظل الحرب من أجل الوطن منقطعة الزمان متصلة الغاية والهدف، ربما يختلف دوافعها من عصر لآخر لكن تظل غايتها “حماية الأرض وصيانة العرض”.

يتكرر مشهد الشمس مع كل مرحلة عصيبة نمر بها ويأتي علينا الليل ليخيفنا بظلامه، لكن هناك أبطال دائمًـا مايتوعدونه بالنهار، أبطال يعدِون بالحرية ويوفون بها محققين الانتصار، وكأنهم يرددون ما غنى عبد الحليم: “عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ظهر الشجر، وعشان نتوه في السكة شالت من لياليها القمر… بلدنا للنهار، بتحب موال النهار لما يعدي في الدروب ويغني قدام كل دار… “.

كتابة: ياسمين السيد.